الأربعاء، 12 فبراير، 2014

انقلابي 8 شباط و 28 مرداد وما بينهما




لم يكن سيناريو انقلاب الثامن من شباط الدموي في العام  1963 الذي اطاح بحكومة عبد الكريم قاسم بعيدا من حيث اسبابه وآليات وظروف نجاحه عن انقلاب 28 مرداد " 19 آب 1953 " في طهران والذي اطاح بحكومة مصدق.  بل نستطيع ان نجد بينهما بعض الاحداث المتطابقة تقريبا الى حد بعيد والتي تشير بوضوح الى ان الانقلابين طبخا في مطبخ واحد وهو مطبخ المخابرات الغربية وبالتحديد اجهزة مخابرات كل من بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، بمساعدة المؤسستين الدينيتين والقوى المتضررة من الحكومتين في البلدين.

ومن الامور المهمة والتي علينا ان نتوقف عندها طويلا هو نجاح القوى الدينية "التي وقفت الى جانب الانقلابيين ممثلة بمرجعيات دينية" في البلدين وبعد عقود من نجاح الانقلابين بالوصول الى قمة الهرم السياسي ودورهما في ترسيخ حكم اسلامي ليسد فراغا سياسيا بمنطقة انهارت فيها تجربة القوميين التي يبدو ومن خلال احداث ما بعد انتهاء الحرب الباردة انهم كانوا ينفذون سياسة مرسومة لهم بدقة في دوائرغربية.

فانقلاب شباط 1963 لم يكن انقلابا عاديا كما الانقلابات في بلدان اخرى بالمنطقة بل كان طريقا معبّدا لاحداث جسام مرّت وتمرّ بالعراق والمنطقة وقد يكون تقسيم العراق وسوريا بداية لسلسة جديدة من الاحداث ستغير الجغرافية السياسية لبلدان عديدة فيها.

 

من اهم الاسباب التي دفعت الغرب للاطاحة بنظام مصدق الذي وصل الى السلطة عبر الانتخابات هي تأميمه لنفط بلاده في آيار 1951 ، وهي نفسها دفعت الغرب للاطاحة بنظام عبد الكريم قاسم وثورة تموز بعد اعلان قاسم عن القانون رقم 80 والذي استرجعت به البلاد معظم الاراضي غير المستثمرة من الشركات النفطية الاجنبية والتي قدرت حينها ب 95% من مساحة العراق، ومن المصادفات "الغريبة" ان الانقلابين حدثا بعد مرور سنتين من اعلان حكومتي البلدين عن تحرير ثروة بلادهما النفطية من هيمنة شركات النفط الاجنبية! وهذا لا ينفي وجود اسباب اخرى ساهمت الى جانب عامل النفط في تهيئة الارضية المناسبة للمتضررين من حكم الزعيمين في كلا البلدين بالمساهمة الفاعلة مع جهاز المخابرات البريطاني والسي . آي . ايه الامريكي لاسقاط نظامي الحكم في البلدين . فمصدق بدأ حال استلامه السلطة بأدخال عددا من الاصلاحات الاجتماعية، منها انشاء صناديق لتوزيع بدلات البطالة للعاطلين عن العمل وسن قوانين تجبر ارباب العمل على دفع جزء من رواتب العمال اثناء المرض والاصابة و التفات حكومته الى فقراء الريف عن طريق بدء برامج الاسكان لفقراء الفلاحين وتحرير الفلاحين من عمل السخرة في مزارع الاقطاعيين.

وعلى الجانب العراقي كانت قوانين الاصلاح الزراعي والاحوال الشخصية اضافة الى قوانين تحرير العملة العراقية من دائرة الاسترليني والخروج من حلف بغداد وغيرها من القوانين. هذا الاسباب مجتمعة وخصوصا فيما يتعلق منها بالارض والاقطاع وقانون الاحوال الشخصية والمد الشيوعي في البلدين "حزبي توده والشيوعي العراقي" دفعتا المؤسسة الدينية في البلدين والتي في الحقيقية هي واحدة تقريبا،  الى التعاون الوثيق مع الانقلابيين المدعومين من اجهزة استخبارات الغرب، يضاف اليهما في العراق القوى القومية العربية والكردية وحركة الاخوان المسلمين ممثلة بالحزب الاسلامي العراقي وحزب البعث ورؤساء العشائر من الاقطاعيين الذين تضرروا كثيرا من قوانين الاصلاح الزراعي. 

 

في ايران كانت لحزب توده "الشيوعي" معلومات عن المحاولة الانقلابية التي تأجلت عدة مرات من قبل الانقلابيين بعد اجتماعات عديدة مع اجهزة مخابرات بريطانيا وامريكا التي بعثت "كيرميت روزفلت وهو حفيد روزفلت" لادارة خطة نجاح الانقلاب، والتي توّجت بقرار للشاه قبل مغادرته ايران يعزل فيه  مصدق من مركز رئاسة الوزراء ويعيّن في الوقت ذاته الجنرال زاهدي محله.

وفي يوم الانقلاب حرّك حزب "توده" الشارع الايراني للدفاع عن شرعية مصدق ولمواجهة الانقلابيين الذين اشاعوا نية مصدق بعزل الشاه "الذي كان قد غادر طهران الى بغداد  فروما" وتعيين نفسه رئيسا للجمهورية اضافة الى الاشاعات التي تناقلتها المساجد حول تهديد رجال الدين واهانة المقدسات، وبدلا من ان يقف مصدق الى جانب حزب "توده" الذي ظل يدافع عنه حتى اللحظات الاخيرة نراه يتراجع امام الانقلابيين معتقدا ان المظاهرات ستخدمهم ويصدر مرسوما يمنح فيه قوات الشرطة والجيش بمنع المظاهرات المؤيدة له.

وقد كتبت بعد نجاح انقلاب "مرداد 1953 " الكثير من الدراسات والابحاث التي اكدّت ان خطأ مصدق قبل الانقلاب واثناءه هو غياب الثقة  بالنفس وعدم اتخاذ موقف جدي من الخطر الذي بدت ملامحه كارثية اضافة الى الضعف في اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة الحاسمة. ولم تمر ساعات على بدء الانقلاب حتى كانت الغوغاء الذين حركتهم المؤسسة الدينية ممثلة بآية الله كاشاني والبلطجية واتباعهم بل وحتى النساء سيئات السمعة في الشوارع خلف الدبابات التي قصفت بيت مصدق الذي امر قوات حمايته بعدم الرد ليلتجأ الى بيت جار له ، ليحاكم بعدها ويظل رهن الاقامة الجبرية حتى ساعة وفاته بعد ان سلّم نفسه للانقلابيين في اليوم الثاني للانقلاب. أما أقرب مساعدي مصدق كوزير خارجيته "حسين فاطمي" فقد تم اعدامه على الرغم من مرضه بعد ان تعرض قبلها لمحاولة اغتيال طعنا بالسكاكين في وضح النهار من قبل الشقي "شعبان بي مخ"، أما " أمير مختار كريم بور شيرازي" رئيس تحرير صحيفة شورش "الثورة" كثيرة الانتقاد للشاه فقد تم حرقه حيّا في مركز اعتقال وتعذيب خاص بالسجناء السياسيين وخصوصا اعضاء حزب "توده".

 

اما في العراق فان خطوات انقلاب 8 شباط  الدموي لم تختلف كثيرا عن سابقتها في طهران فالمؤسسة الدينية ممثلة بالسيد محسن الحكيم وقفت بكل قواها ضد قاسم ونظامه،  مقدمة فتاوى القتل التي احتاجها المجرمون البعثيون ومن خلفهم شركات النفط الاحتكارية. 

كما اتخذت القيادة الكردية موقفا انسجم كليا مع اهداف الانقلابيين الذين قلبوا للكرد والمرجعية الشيعية ظهر المجن ولينتهي زواج متعتهم مع الطرفين بعد اشهر قلائل من نجاح انقلابهم الاسود. 

وكما حزب "توده" فأن الحزب الشيوعي العراقي كان على علم بالمؤامرة التي خططت لها الاجهزة الاستخبارية الغربية وقادها الملحق بالسفارة الامريكية ببغداد "ويليم ليكلاند" الا ان قاسم وكما مصدق لم يستقبل تحذيرات الشيوعيين له والتي كانت تصله عن طريق اقرب مساعديه بلاأبالية فقط ، بل انه امر بعدة تنقلات في صفوف الجيش صبّت بالنهاية في صالح الانقلابيين.  وكما مصدق ايضا فانه رفض تسليح الجماهير التي قادها الشيوعيون دفاعا عنه وعن الثورة ، لتتم محاصرته في مبنى وزارة الدفاع وليسلم نفسه كما "مصدق" الى الانقلابيين بعد يوم واحد من نجاح الانقلاب. وعلى عكس مصدق الذي سجن ثم اصبح قيد الاقامة الجبرية لحين وفاته فان قاسم اعدم في 9 شباط بمبنى الاذاعة اثر محاكمة صورية قصيرة بمعية مقربيه من خيرة ضباط الجيش العراقي، واعدم في تلك الايام السوداء الالاف من الشيوعيين والوطنيين وكما ابتكر انقلابيو مرداد تلك القتلة السادية لرئيس تحرير صحيفة شورش "الثورة" فان انقلابيي شباط قتلوا الشهيد "ابو سعيد" صاحب اشهر عمود في صحيفة اتحاد الشعب بشكل سادي ايضا. ولتزرع بعدها فرق الموت البعثية المعروفة بالحرس القومي برفقة بعض الميليشيات الدينية كجماعة الخالصي الموت والرعب في جميع ارجاء العراق خصوصا بعد انهيار المقاومة المسلحة للشيوعيين الذين كانوا يفتقدون الى السلاح. وليدخل العراق منذ تلك اللحظة الى جمهورية للخوف والرعب حتى ساعة رحيل الشباطيون في التاسع من نيسان 2003.

 

أن وقوف القوى الرجعية المتمثلة بالمؤسسة الدينية والاقطاع والاحزاب القومية وتعاونها مع أجهزة المخابرات الغربية ضد الحركة الوطنية في العراق وايران حينها كانت تعبر عن تحالف واسع للدين وتكامل مصالح البرجوازية الوطنية مع السياسات الغربية.  حيث ان القوى اليسارية التي تنشد بناء دولة مدنية كانت تعترض على ادارة شكل الدولة التي اختزلت بشركات متعددة الجنسية كانت هي الحاكم الفعلي بالبلدين وليس بناء نظام شيوعي كما روّجت له المؤسسة الدينية وعواصم الغرب.

 

ان من المهام الملحة للقوى الديموقراطية ونحن نستذكر احداث ذلك اليوم المشؤوم من عمر وتاريخ الوطن، ان تعرف جيدا من انها لازالت "على الرغم من ضعفها" الضد النوعي لسلوك البرجوازية الوطنية التي تشكلت بعد الاحتلال. وكونها ضدا نوعيا لهذه البرجوازية التي لم تصل الى ما هي عليه اليوم عن طريق طي مراحل تطورها الطبيعي، بل انها بدأت كمافيا نهبت حتى المساعدات الدولية التي كانت ترسلها الدول المانحة لفقراء شعبنا واستمرت لليوم كمافيا بعد ان نهبت مئات مليارات الدولارات. فان مهمة تصديها لنضالات شعبنا لنيل حقوقه وفضح سراق المال العام يجب ان تكون من المهام الاولى في نضالها اليومي والعصيب، ولن تنجح في مهمتها الوطنية هذه من دون جر اكثر فئات الشعب تضررا من سياسة حكامه الجدد الى ساحة النضال المطلبي. كون استمرار الاحداث وتوزيع مراكز القوى بالشكل الذي عليه اليوم سيفرز حتما اوضاعا سياسية تستكمل المهام المؤجلة لانقلاب شباط 1963 وهو ايجاد خارطة جديدة للمنطقة تبدأ من وطننا.

 

هل هي صدفة ان تقطف احزاب الاسلام السياسي في العراق وايران ثمار الانقلابين ضد قاسم ومصدق قبل عقود؟ أم ان وثائق المخابرات الغربية ستكشف لنا كما كشفت بعد 60 عاما على اسقاط نظام مصدق عن الجهات المستفيدة من انقلاب شباط 1963؟ وما هي مهام احزاب الاسلام السياسي الموكلة له من الشيطان الاكبر !؟

 

زكي رضا

 

الدنمارك

6/2/2014  

 

   

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق