الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

أبناء الشيطان الكذابون الوضيعون وراء حرب بوش التي لا مخرج منها.


حملة: ليندون لاروش
ترجمة: د.إبراهيم يحيى الشهابي


أعلن هذا البيان في 26 مارس 2003 من قبل لجنة لا روش في الحملة الرئاسية للعام 2004.
كان الأسبوع الأول من حرب الشرق الأوسط التي خاضها جورج دبليو. بوش الابن كافية لنزع القناع عن المعتقدات العسكرية لوزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفيلد، ونائب الرئيس، ديك تشيني، وعصبتهما من صقور الدجاج، بوصفها عملاً من أعمال البلهاء بل ربما أسوأ من ذلك. ومنذ ذلك الحين، نعرف السياسات العسكرية اليوطوبية لوزارة الدفاع الحالية في إدارة بوش بين المحترفين ذوي الصلة والنقاد المحنطين المؤهلين، بوصفها سياسات تجمع بين العجز العسكري البدائي وعدة أبعاد من الخداع والوهم الساذجين. ولا بد من إدراك أن أوهام قطيع رامسفيلد وتشيني وأشكروفت ليست سوى نتاج لاندماج عنصرين: الأول هو الفاشية النيتشية (Nietzschean) للأستاذ ليوشتراوس (Leo Straus)؛ والثاني هو اليوطوبية الإمبريالية الشيطانية صراحةً لوبيز ـ كراولي ـ راسيل ـ هتشينز
(
Wells-Grawley- Russell-Hutchins) الناطق بالإنكليزية، تلك اليوطوبية العائدة إلى مجمع الصناعات الحربية ذائع الصيت الذي كان الخصم الأجنبي الرئيسي للتراث العسكري الأمريكي الكلاسيكي في فن إدارة شؤون الدولة منذ المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.
لقد جرى تأمين السيطرة المهيمنة على إدارة بوش الحالية، حتى الآن، بفضل اندماجٍ قَادَهُ تشيني بين الفاشي ـ الأستاذ ليو شتراوس ـ الذي صدرته جامعة شيكاغو وبين هدف الحكومة العالمية الذي يتبنى ويلز ورسيل العمل من أجله من خلال حرب نووية وقائية على طريقة هتلر. وبدلالة علم المعرفة فإن إيديولوجية شتراوس الجينية الشبيهة بالنازية هي أيديولوجية شخصية تذكِّر كتاباتُه، ككتابات تابعه ألن بلوم (Allan Bloom) بالفيلسوف النازي مارتن هيدغر (Martin Heidegger) الذي كان له أثر في شتراوس.. تُعَدُّ معتقدات شتراوس محاكاة ساخرة نيتشوية للشرير تراسيماخوس (Thrasymachus) من جمهورية أفلاطون. إن شتراوس هذا نفسه هو الشخصية الإيديولوجية المركزية لتلك الطائفة من أتباعه المتعصبين المعروفين بـ "صقور الدجاج" إدارة بوش الحالية. إن صقور الدجاج، هؤلاء هم الذين ما زالوا يتحكمون، من خلال روتين دونالد رامسفيلد الشبيه بروتين هتلر وجنرالاته، كشخصيات متزلفة، بدفع الرئيس بوش بعد العام 2001 نحو حرب عالمية إمبريالية تستخدم الأسلحة النووية ببراعة(1).
لقد اضطرت الدروس المروّعة في الأسبوع الأول من معارك الحرب العراقية الجديدة الكثيرين إلى الرجوع إلى خلاصة تطورات الأسابيع الأخيرة ذات الصلة داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وخارجه. لقد أخذ عدد الذين اضطروا للاعتراف بأن اندفاع بوش المجنون إلى حرب عراقية جديدة كان بإغراء وحَثٍّ من أفراخ الصقور المهيمنين، يتزايد كثيراً، وبأن هذه الحرب ليست سوى زناد يفجر سلسلة تفاعلات هائجة هتلرية يوطوبية تؤدي، ما لم توقف، إلى حرب عالمية جديدة تتسع بسرعة. ولذلك لا بد لجميع الحكومات العاقلة في العالم أن تؤيد، كما قال كثيرون منهم صراحة أو ضمناً، تحذير وزير خارجية فرنسا دومينيك  دي فيليبان (Dominique Villepine) لمجلس الأمن ضد حرب بوش المقترحة. وأقول في ذلك، كما مثلت بأشكال مختلفة وفي مواقع مختلفة قبل ذلك؛ إن الحرب العالمية الكامنة في سياسات بوش الشرق أوسطية الحالية ستسفر، إن لم يوضع لها حد، عن نتائج على الصعيد العالمي شبيهة بما هو أسوأ مما عانت منه أوربا في الـ 137 سنة التي سبقت معاهدة ويستفاليا (Westphalia).
ولكي نفهم كيف وصل الرئيس جورج دبليو. بوش الابن إلى حالة حكومته المأساوية الحالية، لا بد من العودة إلى يناير من العام 2001 قبيل توليه المنصب بطريقة مرسومة بصورة يخالطها الشك.
فقبيل يناير من العام 2001 حيث قلد الرئيس الأمريكي الحالي منصبه، ألقيت من واشنطن D.C ما يبدو اليوم للعديد من الناس أنه خطاب تنبؤي عام إلى المشاهد العالمي. وحذرت في ذلك الخطاب أن تولية ذلك الرجل منصب الرئاسة يتطابق مع دخول الولايات المتحدة السباق في الطور الأخير من انهيار النظام المالي ـ النقدي العالمي الحالي. وحذرت أولئك المشاهدين، عندئذ، أن تولي بوش لمنصب الرئاسة في ظروف اليوم الشّبيهة بظروف الأزمة المالية ـ النقدية النهائية التي سادت في المرحلة ما بين 1928- 1933 المتطابقة مع احتمال قيام القوى الداخلية القوية القابعة وراء المشهد بترتيب انفجار حدث مبكر تهديدي مواز لحريق الرايخستاغ (Reichestag) الألماني في السابع والعشرين من فبراير من العام 1933.
حريق الرايخستاغ الذي أشرت إليه في خطابي هو ذلك الحدث الذي استخدمته الحكومة النازية لتوطيد دكتاتورية هتلر. وهكذا حالت حادثة الرايخستاغ دون ظهور البديل: إذ إن تولي فرانكلين روزفلت منصب الرئاسة في مارس ربما كان يعني أن برامج روزفلت والدكتور ويلهيلم لوتنباخ
(
Wihelm Lautenbach) الألماني الإنعاشية المتماثلة يمكن تبنيها من قبل ألمانيا بدلاً من برامج جالمار شاخت (Hjalmar Schacht). وهكذا بحلول أواخر صيف 1934 كان قد أصبح شكلاً من أشكال الحرب العالمية الثانية لا بد منه، في ظل عالم تحكمه قيادة ذلك الزمان الأوربية.
إن "حريق الرايخستاغ" الجديد الذي حذرت منه في خطاب يناير من العام 2001، وقع تماماً بعد أقل من تسعة شهور من تاريخ الخطاب، أي في 17 سبتمبر 2001. وكما استغل حريق الرايخستاغ الهتلري في العام 1933، جرى استغلال هجوم الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001 من قبل نائب الرئيس، ديك تشيني ومن أتباعه من نوعية البروفسور النازي ليو شتراوس (Leo Straus) مثل النائب العام جون أشكروفت (John Ashcroft) ليشرعوا بفرض الهيمنة الفاشية على الولايات المتحدة من الداخل بصورة تدريجية(2).
إذن استخدمت حادثة 11 سبتمبر من العام 2001 لإطلاق حملة حربية عالمية مقصودة على نمط حرب البليوبونيزية (Peloponnesian) اليونانية المأساوية الحمقاء وعلى نمط السوابق الفاشية الكلاسيكية كالتي ارتكبها قياصرة الرومان، والإمبراطور نابليون بونابرت، وأدولف هتلر. وهكذا فإن إيديولوجيَّة السرقة والنظرة الإمبريالية لدى تشيني وجماعته الفاشيين من صقور الدجاج تجمع عقيدة برتراند رسل (Bertrand Russel) القائمة على الحرب النووية الوقائية "مع النمط النيتشوي المستورد من الإيديولوجية الفاشية التي تبناها المفكرون الألمان كارل شميث (Carl Schmitt)، ومارتن هايدغر(Martin Heidegger)، وليو شتراوس.
وفي أيامنا هذه، كان رد فعل جورج دبليو. بوش، رئيس الولايات المتحدة ذي المقدرة العقلية المحدودة جداً، رداً انفعالياً غاضباً على الأثر المشترك ليأسه بشأن وضع الولايات المتحدة الاقتصادي الأكبر من مقدرته على اتخاذ قرارات حكيمة وعاقلة، ولتوقعاته المسبقة لهزيمته السياسية الوشيكة في سياسته الحربية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. إن نوبة الغضب الشرسة اللامعقولة والمتناغمة مع تشيني "المسيطر على عقل الرئيس بحيث يجعله يسلك سلوكاً غير سوي" قد جعلت بوش يطلق حرباً ضد العراق لا حاجة لها وغير شرعية ومتهورة، منتهكاً القانون الدولي ذي الصلة. والأسوأ من ذلك أنها حرب تركت لها سياسات سادة الحرب النظريين وغير العمليين تشيني ورامسفيلد القوات الأمريكية الحالية ضعيفة الانتشار وفقيرة التجهيز والاستعداد للمهمة التي حُددت لها. إذ بين لعب رامسفيد دور "هتلر والجنرالات" في وزارة الدفاع أنه بانقضاء أسبوع من تلك الحرب لم يعد بالإمكان إخفاء معالم "حرب فيتنامية" جديدة. إن عقيدة الرئيس اللاشرعية القائلة بـ "تغيير النظام" هددت صدام حسين شخصياً بحرب وقائية ضد العراق، تماماً كما هدد هتلر في العام 1938 إدوارد بينيس (Eduard Benes) شخصياً بـ "تغيير النظام". جرى دفع رئيسنا المسكين إلى هذا العمل بخيوط أرجوزية تحركها وحدة مخابراتية شبيهة بوحدة غوبلز (Goebbels) الألمانية من صقور الدجاج في وزارة دفاع رامسفيلد.
إذن، غزى الرئيس الأمريكي العراق بالذريعة التي غزا بموجبها هتلر بولندا في العام 1939. كل ذلك جرى بتأثير من اللاجئ الألماني الفاشي المتوفى ليو شتراوس الذي رعاه كارل شميث، والذي كان أصله اليهودي الذي يشطب من شهادة ميلاده سبباً في عدم قبوله لعضوية الحزب النازي.
وهكذا، بيّنت أحداث الأسبوع الأول، بما لا يدع مجالاً للإنكار، الأوهام التي عمل في ظلها الثلاثي: الرئيس ونائبه ورامسفيلد لدخول الحرب. وعندما دخلت الحرب أسبوعها الثاني شهد العالم برهاناً على الاستهتار الجنوني بأبسط الاعتبارات الكلاسيكية للحرب والاستراتيجية الحديثتين، ذلك الاستهتار المتأصل في "الثورة اليوطوبية لصقور الدجاج في الشؤون العسكرية." وعلى الرغم من أن القوة الأمريكية قادرة على سحق العراق، عاجلاً أم آجلاً، حتى برغم ما يبديه رامسفيلد من خلط للأمور على الطريقة الهتلرية، فإنه فيما يتعلق بالحرب الهندية الصينية في ستينات القرن العشرين في عهد وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنامارا (Robert McNamara)، لم يكن هناك مخرج مقبول على المدى المنظور من حرب كالحرب التي أعد لها وخططها مجموعة صُقور الدجاج التشسينية ـ الرامسفيلدية.
والحل الوحيد للرئيس بوش، لو كان عاقلاً ومنطقياً، هو الخروج من الحرب والعودة إلى عملية الأمم المتحدة. بيد أن الرئيس جورج بوش "الهارب إلى الأمام" ما زال يفتقر إلى استيعاب المثل القائل: "الشجاعة بلا حكمة تهور" ليتخذ مثل هذا الخيار المنطقي.
هناك نتيجة تلوح وشيكة تنذر بانتحار الحضارة إذا ما فشلت محاولة إجهاض سياسات صقور الدجاج الشتراوسية الاستراتيجية الإمبريالية.
لقد عبر عن هذه السياسات يوطوبيو البيت الأبيض والدوائر المثيلة مثل عصبة كونراد المدعومة من السود، ماك كين (Mc Cain) – ليبرمان (Liberman) ـ ودونا برازيل (Donna Brazile) التي تهيمن الآن على بيروقراطية الحزب الديمقراطي. إن ذلك الفريق الهجين المتصف بنزوة الهروب إلى الأمام النيتشوية ينمذج نفسه وفق القطيع الحربي من أتباع الفاشي المتتلمذ على يد نيتشه الأستاذ في جامعة شيكاغو ليو شتراوس المتوفى الآن والذي عرفت به أعلاه مراراً وتكراراً. كما أنه يجري نمذجة هذا الدور الذي يلعبه أتباع تعاليم ألن بلوم وشتراوس الفاشية المتعصبة من الجيل الثاني والثالث، على نمط النتاج الحالي لنائب الرئيس تشيني من صقور الدجاج، الراغبون في أن يكون كل منهم "هتلراً" صغيراً أو "غلوبزاً" من أمثال وولفوويتز (Wolfowitz) من شيكاغو، والثرثار اللص بيرل
(
Perl) والخليع المراوغ بيل كريستول (Bill Kristol) ، وعلى نمط أوبرا المنشولين البريختيين
(
Brechtian) أمثالهم.
ينبغي أن يوصف علم الأمراض الشتراوسي النازي الذي تتلقنه دوائر ديك ولين تشيني (Dick and Lynne Cheney) في التاريخ السياسي والعسكري والمصطلحات التقنية ذات الصلة، ومع ذلك، ما زال التحليل التقني لقضية الاستراتيجية ـ السياسية، مهما كان ضرورياً، عاجزاً عن الوصول إلى لب المسألة السيكولوجي والأكثر تحديداً وعمقاً. إن جوهر المسألة الحيوي هو أن رجلاً ذا نزعة نيتشوية، ومن أمثال أدولف هتلر، وأن عصبة من المسيطرين على عقول الناس ويوجهون الحرب العالمية الإمبريالية الجارية بقيادة الرئيس بوش، ليس كونها مضلَّلة فحسب، بل هي معتوهة وظيفياً على الصعيد الأخلاقي وغيره. وبالمصطلحات الدولية تعد سياسات تلك العصبة النيتشوية شراً لا يقل سوءاً عن شر هتلر سواء على صعيد المقاصد أو على صعيد النتائج.
والأسوأ من ذلك، هو أن ما يُدعون بالأمريكيين "العاديين" من بين الأقلية الكبيرة التي ما زالت تدعم بغباء السياسات الحربية، مصابون كذلك بالجنون بالمعنى الإكلينيكي الدقيق للمصطلح. وكما حذر كاسيوس (Cassius) بروتس (Bruts) في إحدى مسرحيات شكسبير: لا يكمن الجنون الشعبي لهؤلاء الأمريكيين المؤيدين للحرب بغباء في نجومهم فحسب، بل في أنفسهم لدرجة أنهم يفكرون دائماً بوصفهم "أتباعاً ضئيلي الشأن". وبالتالي فإن كثيرين من أعضاء الكونغرس البارزين قد تصرفوا اليوم كالأتباع الذين وصفهم كاسيوس شكسبير.
لا بد من الاعتراف بمشكلة عقلية "التابعين" النموذجية تلك وتقويمها، بوصفها خللاً منتشراً على نطاق أوسع من الزمرة النيتشوية المتعصبة. إن الذي جعل الكثيرين من شخصيات الحزب الديمقراطي الشرسة والبلهاء، وسواهم يدعمون المتعصبين المروّجين للحرب مثل تشيني ورامسفيلد وماك كين وليبرمان ويتحملونهم هو النزعة الثقافية المتأصلة في وسائل الإعلام الترفيهية الشعبية وسواها نحو الانسياق وراء الدوافع الوجودية النيتشوية الجديدة التي استولت على الكثير من جيل "بيبي بومر (Baby Boomer)" الذي بلغ رشده أثناء فترة الحرب الأمريكية في الهند الصينية ما بين 1964-1972. إن ذلك التسامح الواسع الانتشار تجاه مثل هذه السياسات يُعد حالة شخصية وجماعية خالصة من الجنون الجماعي لدى أولئك المشتركين بتلك العقلية (التبعية) الشعبية ذات الصلة. لا يمكن التغلب على الخطر الملازم لهذا الوضع العالمي ما لم يؤخذ عامل الجنون الجماعي الشعبي المهيمن والواسع الانتشار بالحسبان ويخاطب بلا رحمة تماماً كما خاطب الشيخ سولون (Solon) شعبه من الآثينيين الضالين، كما أفعل أنا هنا.
لقد بيّنت المشكلة، وحددت المفارقات. والآن أنتقل إلى وضع الحل.

1. ما هي الصحة العقلية؟

إن مقاربتي الأولى لتعريف "الصحة العقلية" هي أن يكرس المرء نفسه للاكتشاف والتصرف وفق مبدأ حقيقة يمكن اكتشافها، كما يعرف أفلاطون المصداقية في حواراته، خلافاً للتلاعب الانفصامي بالكلام الذي يتبعه شتراوس وبلوم. فمثلاً، عندما يقول سياسي أمريكي نموذجي بأنه /لأنها "سوف يتابع" فهو/ هي يعني أن على المرء أن "يتعلم" كيف يتابع أو يستمر في مثل هذه الميادين كالسياسة أو الوظائف العامة، أو في الحياة الجامعية، أو في أحد صفوف المدرسة الشعبية الكثيرة مستخدماً أفكاراً تعبر عنها وسائل الإعلام الكبرى، أو في غرفة مجلس إدارة شركة، أو في الخنوع المتزلف لبعض قضاة الدائرة الرابعة الفيدرالية الأمريكية أو بعض قضاة فرجينيا الذين أعرفهم. والموضوع في كل حالة هو أن على المرء أن "يضع قضية الحقيقة وراء ظهورنا."
إن الصيغة الصريحة القاطعة لذلك الإنكار الواسع الانتشار للوجود الفعال للحقيقة هي السمة المركزية للعمل الخادع عالمياً الذي قضى فيه المرحوم الأستاذ شتراوس حياته، ذلك البروفيسور الذي يعد الأفراخ الجدد من صقور الدجاج(3) إنها جوهر عقيدته الفاشية التراسيماخية (Thrasumachian) تماماً كعقيدة مُريده ألن بلوم. إنها كذلك عقيدة المتفقين معهم في كراهية الحقيقة كرفاق شتراوس من بين الفاشيين الألمان في دوائر مدرسة فرانكفورت. ومن هؤلاء الرفاق المؤيدون للوجوديين الشيطانيين من أمثال الفيلسوف النازي الرسمي ومعلم شتراوس المخلص مارتن هايدجر (Martin Heidegger)، والحاقدون على الحقيقة ثيودور أدورنو (Theodor Adrno)، وحنَّا آريند (Hanna Arendt).
إن ترويج أو قبول عقائد كفاشية هتلر وليو شتراوس، أو تفضيل رأي متعلم أو رأي شعبي على الحقيقة، يعد من أعراض ما يسمى بالمرض العقلي، والوهم المنهجي، ولننظر إلى ظاهرة كظاهرة دعم اندفاع بوش إلى الحرب اللاشرعية الحالية كتعبير عن شكل من أشكال الجنون الجماهيري. وأشير إلى الجنون الجماعي تشبيهاً له بما استحوذ على أكثرية الناخبين الألمان، لفترة من الزمن، في عهد هتلر. إنه شكل من أشكال الجنون الجماعي الذي استحوذ حديثاً على القوى السياسية التي مسخت قائمة المرشحين البارزين لانتخابات العام 2000 الرئاسية الأمريكية إلى اثنين مرتبطين بصقور الدجاج، غير مؤهلين لدى كل منهما استعداد لشن حرب عالمية في غضون سنوات قليلة من ولايته.
خير وسيلة لفهم الجنون الجماعي الذي أشير إليه هي تعريفه أولاً بدلالة الخلل العقلي الشائع الحدوث بين الطلبة الذين تصاغ أحكامهم من خلال التدريب والتكرار بأسلوب تجريبي وخصوصاً بأسلوب الفيزياء الرياضية الوضعية الراديكالية التي ما زالت سارية حتى يومنا هذا. ولسوف أتابع وفقاً لذلك.

الرياضيات والجنون

لتحقيق أغراضنا هنا، دعنا أولاً نُعرِّف "الجنون" كما يبدو في أكثر الأشكال البدائية من الخلل الوظيفي في الفيزياء الرياضية الرسمية.
وهكذا، كان التجريبيون، بموجب تلك المصطلحات، غاليليو (Galileo) وتوماس هوبس
(
Thomas Hobbes) وجون لوك (John Locke) والعلم البارز آدم سميث (Adam Smith) والشهير رينيه ديكارت (René Descartes) مجانين منهجيين مثل برنارد رسل(Bernard Russell) ومريديه بالمعنى الدقيق لمصطلح "الجنون". أي أن طريقة التفكير الديكارتية في الكون الفيزيائي كانت قائمة على إلحاق الدليل الفيزيائي بفرضيات بدهية متضمنة يمكن إيجادها، في واقع الأمر، فقط في عالم "البرج العاجي" اللاموجود. تعبر آراء الرئيس جورج دبليو. بوش الابن ونائب الرئيس الأسبق آل غور (Al Gore) في الأمور الاقتصادية والعسكرية عن نسخة متطرفة تقريباً من الجنون من نوعية ذلك النمط "اليوطّوبي عاجي البرج" العام.
في الفيزياء الرياضية، يردد يولر (Euler) ولاغرانغ  (Lagrange) أصداء هذا النمط الإكلينيكي من الجنون المنهجي الموجود في الحماقات الديكارتية، إذ إن الحالتين الأخيرتين قد ظهرتا في بيان كارل غوس (Carl Gauss) في العام 1799حول نظرية الجبر الجوهرية. ما زال العنصر الباتالوجي نفسه الذي يتميز به غاليليو، وديكارت، ويولر، ولاغرانغ منتشراً في صفوف المدارس وكتبها المقررة حتى اليوم. ولهذا اخترت حالة تلك المقالة القصيرة الحاسمة التي كتبها غوس لتكون محوراً أبني عليه مقدمات برنامج الدراسات العليا للمشاركين في حركة الشباب الجديدة التي كنت أرعاها. إذ كان مبدئي، ولا زال، الذي سأشرحه هاهنا لأسباب عديدة، أنه ما من حركة شبابية بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و25 الذي هو السن الجامعي تستطيع النجاح في إخراج المجتمع من سوء التوجيه الثقافي الذي يهيمن على غالبية الحضارة الأوربية المنتشرة في جميع أنحاء الكرة الأرضية اليوم، ما لم ينطلق المشاركون في تلك الحركة من اكتشاف برهان بدائي على وجود المصداقية التي يمكن معرفتها والمتحررة من "البرج العاجي" و "التجريبية" وإتقان ذلك البرهان.
أشرح تلك العلاقة على خطوات متعاقبة في الصفحات التالية.
للوهلة الأولى، يبدو التعريف الرياضي للجنون المنهجي الذي تستقيه برامج حركاتنا الشبابية التعليمية من مثال غوس، مختلفاً ظاهرياً عن التصور الضحل نسبياً للجنون الإكلينيكي الذي يعرضه عادة الأطباء النفسيون ومع ذلك، فإن طبيباً نفسانياً مؤهلاً أخلاقياً يتابع مناقشتي هنا سوف يجد أنه يومئ برأسه موافقاً على اتجاه هذه المناقشة، وربما يشفع موافقته بملاحظة ربما تكون شبيهة بما يلي تقريباً.
لكي نفهم الصعوبة ذات الصلة التي يواجهها طبيب نفساني محترف، لا بد أن نسأل أنفسنا، ما الذي نعنيه بقولنا إن بعض الأشخاص عصابيون، أو أسوأ من ذلك؟ ألا ينبغي أن نعني في حالة شخص عصابي تكون أحكامه عادة فعالة لدى تعامله مع تحديات عديدة في الحياة اليومية، ولكنه يعاني من نوبات انحراف نفسي بسبب دوافع عاطفية تدفع ذلك الشخص إلى التصرف بطريقة مناقضة للواقعية الفيزيائية؟ إذ يبدو ذلك الشخص في موقف معين عاقلاً، ويبدو سلوكه في موقف آخر سخيفاً. من النماذج على هؤلاء العصابيين متعاطو الخمور أو المخدرات، أو العاديين من ذوي الشخصية المزدوجة الذين يمكن أن يكونوا أكفاء في عملهم ولكنهم يضربون زوجاتهم أو أطفالهم أو يهددونهم بالضرب في ظروف معينة، أو يفعلون ذلك من حين إلى حين، إن التجريبي مجنون قطعاً بالمعنى نفسه أو بالدرجة ذاتها.
وبعبارة أوسع، هناك نمطان من حالات خلل الأحكام الفردية المنهجية العملية. هناك، أولاً، حالة الجهل البسيط، حيث يعرض المَرء إلى تحد يفتقر ببساطة إلى المعرفة البدائية بشأنه، كمثل شخص نشأ في قبيلة في غابة وطلب إليه أن يشغل جرافة يراها أول مَرَّة. أما النمط الثاني من هذه الحالات فهي أن الفرد أو المجتمع يتصرف بتأثير افتراضات خاطئة بدهياً تحترم الإنسان والمجتمع. وتعمل هذه الافتراضات الخاطئة لدى الفرد أو المجتمع كما تعمل بدهيات "البرج العاجي" في علم الهندسة الإقليدية، فتحدث تأثيراً باثولوجياً قاسياً، وربما قاتلاً، على السّلوك الفردي أو الجماعي. هذه الأخطاء هي الأصل النموذجي للجنون، أو "انعدام الصحة النفسية" كما عرفها الإغريق الكلاسيكيون.
إن عقل الضحية في الهندسة الإقليدية أو الديكارتية، كما في تجريبية متزلف باولوساربي (Paolo Sarpi) غاليليو غاليلي (Galileo Galilei) ملَوّثٌ بما يسمى "الرهبنة" وما يسمى بـ "الاعتراف الذاتي"، وتعريفات "البرج العاجي" والبدهيات والمسلمات التي لا صلة لأي منها بالكون الفيزيائي. وفي مقابل أشكال الجنون الإقليدية والتجريبية والديكارتية الشائعة، فإنه وفق ممارسة طاليس (Thales) العلمية القديمة في مرحلة ما قبل إقليدس؛ وبموجب ما قاله الفيثاغوريون وأفلاطون، يُعرِّفُ مبدأ البنية الفيزيائية العالم بأنه ميدان للهندسة الفيزيائية، وبوصفه زمان ـ مكان فيزيائي كوني. وبولادة النهضة الأوربية ثانية في القرن الخامس عشر واقترانها بفيليبو برونيليشي (Philippo Brunelleschi) ونيقولا الكوسي (Nicolas of Cusa) وليوناردو دي فينشي (Leonardo de Vinci) عاد التيار الرئيسي للتقدم العلمي من انحطاط الرومانسية اللاتينية إلى التراث الأفلاطوني اليوناني الكلاسيكي بحيث سار التراث على نمط أعمال ايراتوس تينس (Eratosthenes) وأريستاركوس (Aristarchus) وأرخميدس (Archimedes). وخرج من الأصول النهضوية هذه أعمال العمالقة الكلاسيين الحديثين التي يمثلها أنفع تمثيل جوهانز كيبلر (Juhonnes Kepler) وغوتفريد ليبنيز (Gottfried Leihniz) وكارل غوس (Carl Gauss) وبيرنهارد ريمان (Bernhard Riemann). ومن هذا التراث العلمي الكلاسي الحديث ورثنا التصورات المقترنة بالشكل الريماني (Riemannian) من الهندسة الفيزيائية الكلاسية، والذي أخرجنا منه ركام كل التعريفات الرهبانية والبدهيات والمسلمات المقترنة بإقليدس، وتعريفات الديكارتية خصوصاً. ولم تستبق سوى ثبت بالتجربة أنها مبادئ الفيزياء الشاملة(4).
يصلح مفهوم الهندسة الفيزيائية الريماني ليس فقط لما يصطلح عليه اليوم بـ "علم الفيزياء" بل ينطبق أيضاً على المبادئ التي يمكن برهنتها والمتعلقة بجوانب العلاقات الاجتماعية التي تحدد علاقة الإنسان الاجتماعية الفعالة بالكون الذي نعيش فيه. وكما سوف أبين أدناه، يتوافق هذا المبدأ مع المبدأ الكلاسي المتميّز (كنقيض للمبدأ الرومانسي أو الحداثي) المتعلق بتركيب الفن وأدائه، كما يتوافق كذلك مع علم الفيزياء.
ولذلك، علينا أن نحصر استخدام مصطلح "جنون"، كإيجاز علمي، في تلك المجموعات من المعتقدات الممارسة التي تنتهك، على ما يبدو، الهندسة الفيزيائية الريمانية التي تحيط بمعرفة العقل الفردي للكون الفيزيائي من حوله انتهاكاً منهجياً فعَّالاً، كما تنتهك المبادئ الشاملة الفعالة للعلاقات الاجتماعية التي تحكم تنسيق المجتمع لعلاقاته مع ذلك الكون نفسه.
لا تحاول تعاليم علم النفس وممارسته، عادة، أن تصل إلى مثل هذا التعريف العلمي الدقيق. ومع ذلك تسعى الممارسة الأفضل نسبياً من بين تلك المهنة إلى تعريف الصحة العقلية بدلالة مبادئ قابلة للتعريف، ولكنها تفتقر عادة إلى إدراك الأهمية الوظيفية للمبادئ الشاملة حقاً والمعرَّفة تعريفاً دقيقاً، فيشمل المبادئ الفيزيائية الشاملة حقاً وروابطها الاجتماعية معاً.
إن من بين أضعف خيارات المعايير لعلم النفس هو الاعتماد المتكرر على المعيار العشوائي لما يسمى "السلوك العادي: إذ كل عبقريات المجتمع العلمية اليوم هم، بالتعريف، "غير أسوياء". لذلك. فإن التعريف الوافي الوحيد لمجتمع مريض هو "بدهياً" الذي يكون فيه المعيار السائد للصحة العقلية هو مجموعة المعتقدات التي تعد "طبيعية"، أو كما في حالة الأفكار الخاطئة المتعلقة بالاقتصاد والمنتشرة اليوم في الولايات المتحدة(5). إن الأزمة التي تحل بالولايات المتحدة اليوم قد نجمت عن قبول ما اعترف به على نطاق واسع أنها أشكال "طبيعية" للمعتقد والسلوك الجماهيري. ولتلافي الوقوع في تلك المصيدة، علينا أن نستبعد كلمة "طبيعي" كمعيار ونختار بدلاً منه معياراً شاملاً قابلاً للإثبات بدون استخدام المفهوم المراوغ الزلق لمصطلح "طبيعي" وإن كان مفيداً أحياناً.
فعلى سبيل المثال، نجد التراجيديا الكلاسيكية منذ أفضل أعمال الإغريق القدماء، وكما في منتجات شكسبير وشيللر الحديثة، أن جذور كل تلك المأساة التي تتطابق مع الأمة والشعب في المدن، تكمن في العادات الذهنية السائدة حالياً للشعب الذي تمثله عموماً. كتب شكسبير يقول: "هناك شيء متعفن في مملكة الدانمارك". إنه خوف هملت من ذلك التعفن التقليدي لمجتمعه، وفراغه من منظور الخلود، هما اللذان دفعاه كخليفته فورتنبراس (Fortinbras) للاستمرار في حماقة الدانمارك التي أصابت هملت المعتوه. وهكذا نجد في دون كارلوس (Do Carlos) لشيللر (Schiller) مأساة الحياة الحقيقية للحرب الدينية التي تنقل حياة فيليب الثاني وأتباعه الواقعية، وإسبانيا ذاتها، كما في رواية شيللر، إلى الدمار الثقافي الذي لم يكن منه بد، كما تنبأ به سيرفانتيس (Cervantes) والذي وضع إسبانيا في مسار القرن السابع عشر. يكمن المصير المأساوي للأمم أولاً، كما يقول سولون أتينا
(
Athen's Solon)، في المبادئ الحمقاء لثقافتها الجارية المنهارة، وثانياً، في فشل الأمة في اختيار قادة ورعايتهم يقودون الشعب المأساوي إلى إصلاح عاداته الحمقاء. وهكذا فإن مسرحية برميثيوس المقيد (Prometheus Bound) لإسخيلوس (Aeschylus) ترسم مصير اليونان في ظل ثقافة تلوثها حماقة آلهتها الأولمبيين اللاإنسانيين المتعددة الأشكال.
ولهذا، علينا ـ خصوصاً في أوقات الأزمات ـ أن نرفض ما يمكن أن يبدو طبيعياً، ونحدد ما ينبغي أن يكون طبيعياً. وكما وبخ الشيخ سولون أبناء مدينته أثينا البلهاء، فإن ما يهدد بمصير يدمر الأمة ذاتياً هو يجري قبوله على أنه سلوك "طبيعي". وهكذا لا بد من إعادة تعريف الصحة العقلية الجماهيرية في المجتمع،كما أفعل أنا هاهنا.
ولذلك، لأسباب ذات صلة بالموضوع سأشرحها أكثر في هذه الدراسة، اخترت بحث غوس (Gauss) في العام 1799 بشأن نظرية الجبر الجوهرية، في مقابل التجريبيين يولر (Euler) ولاغرانغ (Lagrange)، كأفضل خيار لنقطة انطلاق معيارية لجامعة حديثة، أو لتربية مشابهة. فعلى الشباب الأمريكي، مثلاً، أن يدخل سن الرشد بوسيلة آمنة لهويته الشخصية بالمفهوم الحي لمعنى الحقيقة، وليس بالمفهوم الموصوف بأنه "حقيقة" كما هو في الكتب المدرسية المقررة أو فيما يسمى بالرأي الشعبي. بل لا بد وأن يكون ما يعتقده المرء الأمريكي بأنه حقيقة، ليس بأية وسيلة، بل فقط بموجب مرجعية المعرفة الداخلية، تماماً كما تبين الفاعلية التجريبية لمبدأ فيزيائي شامل مفترض، مبدأ متحرر من عوائق تعريفات "البرج العاجي" وبدهياته ومسلماته، المعرفة الفعلية الدقيقة للحقيقة. ينبغي لمثل هذا الشاب الأمريكي أن ينال ثقة حية بمبدأ شامل واحد على الأقل كعلامة ينطلق منها بما لديه بخريطة الكون التي رسمها لنفسه وحياته. ولهذا لتحديد نقطة رسو من ذلك النوع يستطيع الآخرون المشاركة فيها، قمت باختيار بحث غوس المقترح.

أزمة "اللامستقبل"

هنالك، أيضاً، اعتبارات معاصرة خاصة تضطرني للإصرار على ذلك المعيار عند هذه النقطة من تاريخ الحضارة الأوربية الحالية الممتدة على جميع أرجاء الكرة الأرضية. أشير إلى الصراع بين المحتل النموذجي لذلك "الجيل الحالي" الذي دخل سن الرشد أثناء فترة ما بين 1964-1972 تقريباً، فترة ظهور ثقافة شباب الجنس والمخدرات والروك المضادة، وبين ما يسمى أطفال "الجيل الحالي". فاليوم، بعد أكثر من ربع قرن، أنتج "الجيل الحالي" حينذاك أطفالاً أصبحوا شباباً في سن الجامعة بالغين، مراهقين، محكوماً عليهم أن يكونوا جزءاً من "جيل اللامستقبل". على الرغم من الحصص الأصغر الهامة بين هذين الجيلين والتي تعد استثناء لهذا النموذج تقريباً، فإن الصراع بين هذين الجيلين منتشر وعميق؛ إنه صراع لا بد من الاعتراف به والتغلب عليه إذا كان لهذه الحضارة أن تجد لها مستقبلاً متحضراً أثناء الأجيال القادمة على الفور.
قبل نشوء "ثقافة شباب الجنس والمخدرات والروك" كان المظهر النموذجي للبالغ الأمريكي أو الأوربي الأخلاقي الطبيعي المدرك لِفَنائِه هو الالتزام بمستقبل أسطع لأطفال جيله وأحفادهم. نادراً ما كان بين مثل هؤلاء الأمريكيين والأوربيين قديسون، بيد أنه كان لديهم درجة من الإحساس بالخلود الشخصي الفعال، وربما قبل معظمهم حكاية "المواهب" في العهد الجديد. لقد مُنح كل منا وجوداً فانياً لمدة غير معروفة. تلك هي موهبتنا المحدودة المسماة بالحياة الفانية. ولهذا تقول الحكمة "اقض الحياة بصورة جيدة".
لسوء الحظ بدأ هذا التقليد الأخلاقي يكنس بعيداً بظهور "ثقافة الجنس والمخدرات والروك" منذ منتصف ستينات القرن العشرين حتى أواخرها. والأزمة الاقتصادية والأخلاقية الناجمة الحالية التي تعاني منها أمريكا وأوربا إن هي إلا انعكاس لهذا التحول.
إن ثقافة "الوجوديين" ومن قبلهم "ثقافة الروك" التي تبناها جيل إلفيس بارسلي (Elvis Parsley) والتي تتردد الآن أصداء تراث طائفة ديونيسيوس (Dionesus) التي يتبناها الوجوديون الأوربيون المنحلون مثل هايدغر (Heidegger) وجاسبرز (Jaspers)، وليو شتراوس (Leo Straus)، وثيودور أدورنو (Theodor Adorno)، وحنا أريندت (Hanna Arendt) واتباع هايدغر النازي من الفرنسيين مثل جان بول سارتر (Jean-Paul-Sartre): لقد حملت "ثقافة شباب الجنس والمخدرات والروك المضادة" التي ظهرت في أواسط ستينات القرن العشرين هذا الفساد المنسوخ عن معظم العَناصر المنهارة العائدة لألمانيا فيمر (Weiman) ما بعد فرساي (Versaille) في عشرينات القرن العشرين أدى هذا، بعد أكثر من عقد من الزمن، إلى ظهور أوبئة "أزمة منتصف العمر" وما شابهه من ثغاء محزن: "يجب أن أغير أسلوب حياتي". وكان مثل هذا الثغاء، أو الكلام الأحمق نتيجة من نتائج الانتماء القانوني المتكرر لمتوسطي الأعمار إلى "الجيل الحالي" الذي يُظن أنه يقيم في الجانب الخلفي لتاريخ اقترب من نهايته الهيغلية ـ النيتشوية (Hegellian-Nietzchean).
كلما ازدادت هيمنة موقع جيل بيبي بومر (Baby Boomer) داخل مجتمع البالغين، تعاظم فساد الاقتصاد والخصائص الثقافية الأخرى وانحلت في خصائص ما يسمى "ما بعد العصر الصناعي" أو مجتمع "الاستهلاك".
لقد انحل الاقتصاد وفسد في ظل تعاظم النفوذ الشعبي لبدع ما بعد العهد الصناعي التي ابتكرها بيبي بومرز. لم يدرك انحلال ثقافة الأمة واقتصادها على أنه كارثة كما هو في الواقع لأن انزلاقهم في التفسخ والفساد قد أصبح "طبيعياً" بالنسبة لثقافة بيبي بومرز وجود "الجيل الحالي" الذي كان يتحرك نحو مراتب أعلى في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فماذا نفعل، بعدئذ، بأطفال بيبي بومرز؟ فيما يتعلق "بجيل الآن" (الحالي)، فإن أطفالهم، كالأطفال الذين بلغوا سن الرشد ودخلوا الجامعة، كانوا يشكلون واقعية قلقة باضطراد، تماماً كما كان بيبي بومرز يرى مواطنيهم الأكبر سناً، أي آباءهم، وكما أصبح حاكم كولورادو الأسبق، لام (Lamm) غير مناسب لدرجة يصعب معها دعمه. إذ وجد أطفال بيبي بومرز الناضجين، سواء كانوا مراهقين أو شباباً بالغين، أنفسهم يلقون على مزبلة ما كان يسمى ضمنياً "جيل اللامستقبل". إن تطلع الجيل الأخير بشغف إلى اكتساب مستقبل كان يصطدم باستمرار بالقواعد الثقافية المناقضة المنبثقة عن دوافع "جيل الآن". ويكون التفتت الناجم عادة قبيحاً ومشحوناً بالعاطفة كما هو حال الصراع العرقي.
في مثل هذا الظرف تعد "القواعد" الظاهرة "لجيل الآن" ـ أو لنقل "للفساد والانحلال"، بالنسبة "لجيل اللامستقبل" أسوأ من قواعد معتقد لا نفع فيه. وفي مثل هذا الظرف أيضاً لا تنفع العادة بديلاً للأخلاقية؛ بل يجب أن يحل البحث عن معيار الحقيقة محل الاعتماد التقليدي الفاشل حالياً على استشارة العادة كمرجعية للاستمرار بالتمسك بتقاليد تحولات النماذج الثقافية لستينات القرن العشرين الفاشلة فشلاً مأساوياً يعتمد الوجود المستمر للحضارة الآن اعتماداً مطلقاً على الابتعاد الفوري عن تقاليد "جيل الآن".
يتم ما ينبغي إدراكه، بالمصطلح الوظيفي، على أنه أخلاقية شعب على درجتين. فعلى الصعيد الأدنى يُعبَّر عن ذلك بالالتزام بتحسين ظروف الأجيال القادمة للأمة وأبنائها، وظروف الأمم الأخرى وشعوبها. وتعد معاهدة ويستفاليا (Treaty of Westphalia) للعام 1948 التي نعتمد عليها، بوصفها سابقة، الحياة المتحضرة بين الأمم الحديثة، مثالاً على هذا التعبير الأبسط عن الأخلاقية. أما على صعيد أعلى، فإننا نلتقي أفراداً استثنائيين يحاكون ببساطة شهيدة فرنسا جان دارك (Jeanne d'Arc)، أو المحترم مارتن لوثر كينغ الابن (Martin Luther King) الذي قلد المسيح في قضاء حياته الفانية بحكمة من أجل تحسين الإنسانية في المستقبل.
إن أهمية ظهور وجودية منحرفة ضارة في التيارات الثقافية في أمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية هي أنها كانت تنزع بكفاءة إلى اجتثاث النمط الأخلاقي الشعبي البسيط من الشعب والعادات القومية عموماً. لقد اتجه النفوذ اللاأخلاقي جوهرياً لطائفة "جيل الآن"، جيل الرئيس جورج دبليو. بوش الابن إلى اقتلاع فكرة التقدم التي اعتمدت عليها الإنجازات الحقيقية لجمهوريتنا الأمريكية وإبادتها. أصبح هذا الشكل من الفساد الأخلاقي الذي اتصف به "جيل الآن" نوعاً من أنواع التعبير عن الوحشية الثقافية تجاه أسلاف ذلك الجيل، وأحفاده، معاً. ويعد هؤلاء الأحفاد ضحية ثقافة ستينات القرن العشرين المضادة هم "جيل اللامستقبل" الحالي. وهكذا فإن معالم صنع السياسة البوشوية الحالية تعبر تعبيراً شديداً عن جوهر ذلك الانحلال الأخلاقي القبيح، تماماً مثل عقيدة "نهاية التاريخ" التي طرحها بوضوح ليو شتراوس، وهيغل، ونيتشه، وتبناها جيل بيبي ـ بومرز من صقور الدجاج: تشيني، ورامسفيلد.
هناك صراع حالي مخيف ضمني بين الأجيال. فكيف نتغلب عليه؟ وجهة نظري التي تشكلت بدرجة كبيرة بفضل ما أحدثه نشاط حركتنا الشبابية الحديثة من أثر تتلخص فيما يلي: إن حركة شبابية من هذا النوع بالذات قادرة على إيقاظ حس بمستقبل ذي معنى بين قطاع كبير من الجيل الذي أمتعته الإقامة الطويلة ضمن صفوف "جيل الآن". وبهذه الطريقة نستطيع سد الفجوة ونصلح بين الجيلين المتعاديين ونجمعهم حول القضية المشتركة ـ المستقبل ـ الذي تمثله حركة الشباب هذه. ولهذا، ينبغي أن ننظر بعمق أكثر وبتفاؤل ثقافي في الأمور التي حددناها.

2. من هو الإنسان حقّاً؟

هذا سؤال ينقل البحث في الصحة العقلية الجماهيرية إلى قضايا سلوك اجتماعي جماهيري أكثر عمقاً. ولننظر ثانية إلى السؤال القديم: هل هناك فرق جوهري بين الإنسان والقرد؟ وما هو ذاك الفرق؟ فعلى سبيل المثال، هل يفكر آباء القرود في أحفاد المستقبل؟ ولهذا، هل من المبالغة حقاً أن يطرح السؤال التالي: هل كان سلوك البروفسور ليو شتراوس الذي أشرت إليه أعلاه سلوكاً إنسانياً حقاً، أو نتاجاً لنوع من "التطور الثقافي المعكوس" أدنى من كونه إنسانياً؟ فمن هو الإنسان، إذن؟ ألا ينبغي أن نعترف أن البروفسور شتراوس وأليان بلوم (Alian Bloom) وأتباعهما من صقور الدجاج المرتبطين برامسفيلد وتشيني كانوا وما زالوا معتوهين جماعياً: وأن كائنات بشرية مثل أدولف هتلر، والأباطرة تيبيريوس (Tiberius) وكاليغولا (Caligula) ونيرون (Nero) وملك إنكلترا ريتشارد الثالث، وملك إسبانيا فيليب الثاني، ونابليون بونابرت، والحالات المماثلة: جورج ويلهيلم فريدريك هيغل. وفريدريك نيتشه بعده، قد انقلبوا إلى أشكال من السلوك الإنساني غير الطبيعي مكونين، في النهاية، نمطاً من الأجناس البشرية الزائفة؟ لقد أصبحوا مساويين لأجناس وجودها ذاته أسوأ، أخلاقياً ووظيفياً، من وجود المخلوقات ذات الحياة الأدنى.
ليست هذه أسئلة علمية رسمية فحسب، كما أؤكد هنا. إذ إن الروابط الإيديولوجية بين أدولف هتلر وصقور الدجاج أولئك الذين يحضنون الآن جماعات رامسفيلد وتشيني، تبين أن هذه الأسئلة التي أطرحها هنا لها الأولوية بين قضايا الأمن القومي الحالية بما في ذلك "الشؤون العسكرية".
لتحديد إجابات مثل هذه الأسئلة المتعلقة بالعلم والأمن القومي والاستراتيجية ومعرفة مواقعها علينا أن نجد الجواب في الفروق البدهية بين رومانسية تجريبيي الحضارة الأوربية الممتدة الحداثيين، من جهة، والتراث الأوربي الكلاسيكي المشترك بين أفلاطون وأتباعه مثل نيقولا الكوسي (Nicolas of Cusa)، وليوناردو دافنشي وجوهانز كيبلر (Johanne Kepler)، وغوتفريد ليبيز (Gottfried Leibniz)، وغوش (Gauss)، وريمان (Riemann)، مع براعة إعلان الاستقلال الأمريكي ومقدمة الدستور الفيدرالي الأمريكي التي هزت العالم.
إن تعريف الإنسانية العملي الذي يعد حاسماً لفهم سبب ذلك  النوع من الفاشية الإمبريالية التي يمثلها أتباع المرحوم البروفيسور شتراوس مثل رامسفيلد وتشيني وصقور الدجاج التابعين لهما اليوم؛ هو على النحو التالي:
1. القضية الحاسمة هي، أولاً: ما هو الفرق المطلق بين الأجناس البشرية وكل من أجناس أعضاء طبقة أعلى من القرود؟
     الدليل التجريبي هو: إذا كانت الأجناس البشرية تنتمي إلى طبقة بيولوجية من القرود المعروفة أو من نوع أرقى من القرود، فإن ذلك الجنس لم يكن لينتج عدداً إجمالياً من الأحياء أكثر من بضعة ملايين فرداً في ظروف اقترنت بمراحل العصر الجليدي في غضون المليوني سنة الأخيرة تقريباً. في حين أن عدد البشر الأحياء اليوم، حسب بعض المصادر، يزيد على ستة بلايين شخص.
2. والقضية الحاسمة هي، ثانياً: أن مقدرة أي مجتمع بشري على إنجاز مستويات سكانية قابلة للعيش تعتمد، في المقام الأول، على الاستخدام الإرادي لأفكار قابلة للبث ناجمة عن تراكم ما تعرفه مفاهيم علم الفيزياء المعاصر كمشتقات تكنولوجية للمبادئ الفيزيائية الشاملة التي يمكن عرضها تجريبياً.
     أما الجواب التكميلي الحاسم فهو، كما بينت في مواضع عديدة سابقة: ما من ممثل للطبقة الأعلى من القرود بقادر على توليد نمط أفلاطوني لفرضية تقود إلى اكتشاف مبدأ فيزيائي شامل.
3. والقضية الحاسمة هي، كذلك، أن التقدم التكنولوجي للإنسان إلى تلك النتيجة التراكمية يعتمد على نقل المعرفة بالمبادئ الشاملة التي تبرز تلك التكنولوجية، الأمر الذي يعني إعادة اختبار عملية الكشف الأصلية.
     أما الجواب التكميلي الحاسم فهو: أن ما من ممثل للطبقة الأعلى من القرود قد أبدت مقدرة على لغة مناسبة لنقل مثل هذه المفاهيم، واستخدام هذه اللغة.
هذا مبدأ جوهري نوعي مُميِّز بين أشباه مجتمعات القرود العليا، والمجتمعات الفعلية من النوع المطلوب للإبداع والنقل واستخدام ما يكتشف من المبادئ الفيزيائية الشاملة.
إن معرفة هذه النقاط الثلاث تنعكس في نتائج شبيهة بنتائج قسم فيرنادسكي (V. I. Bernadsky) المختص في علم الكيمياء الحيوية الأرضية من الكون المعروفة بالنتائج الكيميائية الحيوية الأرضية، من بين ثلاثة أنماط من الفضاءات الطورية الكونية المتفاعلة فيما بينها ولكنها متمايزة تجريبياً:
(آ). اللاحيوي، (ب). الأحياء مثل المحيط الحيوي بما في ذلك مستحاثاته، (ج). المحيط الحيوي الذي أحدث فيه نشاط الإنسان تغييراً عن قصد أو عن غير قصد، كالمؤثرات الفيزيائية بما في ذلك مستحاثاته من مثل هذه الأعمال الرافدة وحدها لتلك الوظائف المعرفية لعقل الإنسان الفرد التي لا تتوافر في أي نوع حي آخر. وبلغة أطروحة التأهيل المشهورة التي كتبها بيرنارد ريمان في العام 1854، تعد هذه الفضاءات الطورية الثلاث مرتبطة ارتباطاً مضاعفاً بنتيجة تحديد الكون المعروف وتعريفه بقراءة واقعية للتاريخ الداخلي لعلم الفيزياء بوصفه أساساً علماً كييلرياً وريمانياً كذلك. ووظيفة الفرد البشري ضمن ذلك الكون وظيفة فريدة.
4. لهذا، فإن أكثر القضايا حسماً هي: ما هو العمل النوعي المعين الذي على الكائن البشري أن يقوم به، والذي لا يستطيع أي كائن حي دون الإنسان أن يقوم به، ليولد تلك النتائج التي تميّز النوع البشري عن سواه وتسمو به عليها؟
     الجواب متضمن في هجوم كارل غوس في العام 1799 المشار إليه على التزييف الإرادي لنظرية الجبر الذي قام به أيديولوجيون تجريبيون مثاليون غير عمليين من أمثال يولر، ولاغرانغ (وكذلك إيمانويل كنت الشهير).
إنني أشرح، بتكرار موجز قدر الإمكان، ما قلته أو كتبته في هذا الموضوع في مواضع عديدة.

إدراك حسي، أم معرفة؟

يدفع هذا الأمرُ الخصامَ المستمر بين لاغرانغ وغوس إلى بؤرة جديدة. القضية الجوهرية هي هل الإنسان نوعية أخرى من القرود العليا، لو تكلمت، أم لا؟
إن قضية الأخلاقية الشخصية العميقة هي، بموجب ما يسمى بعلم الفيزياء، هل معرفة الإنسان بالكون محدودة في مجموعة "حقائق" حسب تعريف الإدراك الحسي، وكما عُرّفت بتعاريف "البرج العاجي" العشوائية وبدهياته ومسلماته كتلك الواردة في الهندسة الإقليدية، أم غير محصورة بذلك؟
لقد ذهب الإيديولوجيون التجريبيون غير العمليين بعيداً لدرجة الخداع الصريح كخداع يولر وزميله موبيرتيس (Maupertuis)، فأصروا على أن الفيزياء الرياضية يجب أن تكون محصورة بمجموعة من الإدراكات الحسية المعرفة بمجموعة البرج العاجي الديكارتية من التعريفات والبدهيات والمسلمات العشوائية.
لقد أكد مؤسسو علم الفيزياء الحديث، فرادى وجماعياً، من أمثال برونيليشي (Brunelleschi)، وكوسا (Cusa)، وليوناردو دي فينشي (Leonardo da Vinci)، وكيبلر (Kepler)، وفيرمات
(
Fermat)، وباسكال (Pascal)، وهايجينز (Huyghens)، وليبنيز (Leibniz)، وبيرنويلي
(
Bernouilli)، ولافوازييه (Lavoisier) وغيرهم، دليلاً تجريبياً اثبت أن مقدرة الإنسان على اكتشاف طائفة من المبادئ الفيزيائية الشاملة الفعالة والتي يمكن اكتشافها دون أن ترى بالملاحظة المباشرة عبر الحواس البشرية. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك اكتشاف كيبلر الأصيل والفريد للمبادئ الفيزيائية الشاملة المتعلقة بالجاذبية، كما جاء تفصيل عملية الاكتشاف في رسالته "علم الفلك الجديد" في العام 1609. يعد تطوير المبدأ الفيزيائي المكتشف ذي الفعل الأدنى من الشمولية، على يد فيرمات، وهايوجينز، وليبنيز، وبيرنويلي، إذا ما جُمع مع مكتشفات كيبلر، أكثر أساس حاسم في الكشف العلمي التجريبي لإثبات أن مناقشات يولر ولاغرانغ التي هاجمها غوس لم تكن سوى أكاذيب هيستيرية، كما جاء في بحث غوس في العام 1799.
وللاستمرار في إعداد المسرح للنقطة ذات الصلة والتي ينبغي تطويرها هنا، أضيف الخلفية التالية للتوضيح:
في محاولة لدحض بحث غوس للعام 1799 المشار إليه، أصر لاغرانغ وعصبته على أن غوس قد "غشَّ" في بحثه هذا عن طريق إقحام "علم الهندسة" وعدم الالتزام بالرياضيات الاستدلالية. في نقاش مماثل جينياً لنقاش لاغرانغ وتابعه منتحل آراء الآخرين أوغسطين كوشي (Augustin Gushy)، دافع الألماني فيليكس كلين (Felix Klein) عن يولر بعد موته وذلك بتصديقه وثقته بكل ما برهن عليه كوسا (Cusa) وغيره، والصفة التجاوزية لبيتا (p) إلى أعمال الإيديولوجيين الرياضيين التجريبيين هيرميت (Hermite) وليندمان (Lindmann) اللاحقة.
يكمن الخداع، أو خداع النفس الهستيري ليولر ولاغرانغ، في مراوغتهم عن حقيقة أن الكون الفيزيائي لا يتطابق مع الرياضيات الاستدلالية لهندسة ديكارت. إن ما هاجمه غوس، بصورة محددة، هو المراوغة الخادعة ليولر ولاغرانغ عن حقيقة أن حوارهما المزيف كان يعتمد بدهياً على التمسك نظرياً من منطلق "البرج العاجي" بمواصفات الهندسة الديكارتية. وأن ما بينه غوس في بحثه سنة 1799 حول النظرية الجوهرية هو أن الكون الحقيقي، الكون الفيزيائي، لا يتطابق مع الرياضيات التي تقوم مقولتها على الدليل الذاتي في فرضية الهندسة الديكارتية، بل هو عالم مختلف، عالم ذو مجال معقد يحتل فيه المبدأ الفيزيائي الشامل الأقل عملاً لليبنز (Lebniz) موقعاً مركزياً.
لم يكن نقاش غوس أصلياً تماماً. إذ إن هجومه في العام 1799 على تزييفات يولر ولاغرانغ، كان إعادة، بمصطلحات حديثة، لما كان قد بينه أتباع فيثاغورس (Pythagoras) وأرخيتاس
(
Architas) وأفلاطون من تمايز في القوى بين الخطوط والسطوح والجوامد والزمن الفضائي (المكاني) الفيزيائي. لقد تعرَّض غوس إلى مسألة علاقة القوى بين الخط والسطح والجامد كما فعل الإغريق الكلاسيكيون، ولكن في سياق علم الفيزياء الحديث كما عرفه أسلاف محدثون مثل كوسا
(
Cusa) وليوناردو (Leonardo) وكيبلز (Keples) وليبنز (Leibniz). بهذا القدر مما قيل في الرياضيات، نكون قد أتينا إلى المعلم الحاسم للقضية التي نعالجها، ألا وهي الفرق بين الإنسان والقرد.

يعرف أم يشعر

تعد أعضاء الحس عند الإنسان الفرد جزءاً لا يتجزأ من العمليات النفسية التي تحدث ضمن حدود جلده. إذ إن ما تسجله حواسه، في أحسن الأحوال، ليس العالم خارج جلده، بل ردود فعل أعضاء الحس على بعض المحفزات الخارجية. إن الهندسة الإقليدية والديكارتية الرسمية تنبع من الافتراض بأن تفسيرات الفرد لما يرتبه جهازه الحسي يعرف عن طريق الدليل الذاتي الهندسة الفيزيائية للزمن الفضائي الفيزيائي للكون خارج جلد المرء.
يرفض المفكر العلمي الوهم بأن مثل هذه الهندسات الخيالية هي التي تعرّف وتحدد الزمن الفضائي الفيزيائي الحقيقي الواقع خارج جلد الإنسان، بل يقول مثل هذا المفكر عملياً: "لأفترض أن العالم الحقيقي (الواقعي) خارج ما تغريني حواسي بالإيمان به هو ليس كما توحيه لي مدركاتي الحسية. ولكن بدلاً من أن أتخيل بصورة عمياء ماهية الكون الحقيقي، دعني أهاجم المشكلة بصورة غير مباشرة. دعني أرى فيما إذا كنت قادراً على السيطرة على العالم الخارجي بدرجة معقولة، وبالتالي أفرض أنواعاً فعالة ودائمة ومحسوسة من التغييرات في عالم لا تدركه حواسي في واقع الأمر ولا تراه."
ولنعد، الآن، إلى صفحات من "علم الفلك الجديد" لكيبلر الذي صدر سنة 1609، إلى الصفحات ذاتها في الترجمة الإنكليزية التي لفق منها التجريبي المتعصب إسحق نيوتن ومساعدوه انتحالهم لاكتشاف كيبلر الأصلي. حتى انتحالهم لهذا الاكتشاف لم يكن أصلياً: إن لجؤوا إلى عمل مزور بعيد زمنياً قام به التجريبي الشهير، ومعلم توماس هوبز (Thomas Hobbes)، هو غاليليو غاليلي
(
Galileo Galilei) في محاولة بينهم لإخفاء آثار تزويرهم.
ركز كيبلر على ظاهرة شاذة، خارجة عن القياس، ناجمة عن مزيد من الملاحظة الطبيعية لمدار كوكب المريخ، ليتأكد من خطأ غير علمي شائع في علم الفلك عند القدماء مثل كلوديوس بطليموس
(
Claudius Ptolemy) وعند المحدثين مثل كوبرنيكوس (Copernicus) وتايكو براهي (Tycho Brahe). من خلال دراسة كيبلر لهذه الظاهرة الشاذة التي تحكم مدار المريخ بين أن هناك مبدأ فيزيائياً شاملاً غير مرئي وفعال يعرف بـ "الجاذبية" موجود خارج افتراضات البرج العاجي المؤيدة لأرسطو والمشتركة في ممارسة أولئك الفلكيين المضلَّلين. كما أن دراسة مماثلة لظاهرة شاذة مناقضة لعقيدة البرج العاجي في هندسة الإدراك الحسي، وَجَّهت فيرمات (Fermat) ومن جاء بعده إلى مبدأ ليبنز الفيزيائي الشامل الأقل عملاً.
لقد أنجزت هذه النجاحات والنجاحات المماثلة في اكتشاف مبادئ فيزيائية شاملة التي حققها أسلوب الفرضيات الذي يعد المعلم المركزي لأسلوب أفلاطون في الحوار السقراطي. فأي برهان تجريبي مؤهل لفرضية من مثل هذه الفرضيات يعرّف تلك الفرضية بوصفها مبدأ فيزيائياً شاملاً فعالاً غير مرئي. وبفضل التطبيق الإرادي لمثل هذه المبادئ يزيد النوع البشري ـ المجتمع ـ من قدرته على التحكم بالعالم خارج جلده.

الفن الكلاسيكي بوصفه علم فيزياء

إن المبدأ نفسه الذي شرح لحالة ما يسمى بـ "علم الفيزياء" يعرّف كذلك المبادئ التي تميّز أساليب التأليف الفني الكلاسيكي من الأساليب الجوهرية اللامعقولة للتأليف أو الأداء كأساليب الحداثيين الرومانسية والظلال المختلفة.
وأجمل بيان لتلك العلاقة هو التمييز بين النحت الإغريقي الكلاسيكي وما يسمى بـ "القديم المهجور" الشبيه بالتوابيت الحجرية وشواهد القبور. وكما تقول لنا قصيدة جون كيتس (John Keats) "أغنية إلى جرة إغريقية" فإن النحت الإغريقي الكلاسيكي، مثله كمثل المقاربة الثورية إلى الرسم التي مارسها ليوناردو دافنشي ورفائيل سانزيو (Raphael Sanzio)، ومنتجات ريمبرانت (Rembrandt) مثل "تمثال هومر النصفي يتأمل أرسطو الأعمى" يستعيض عن "الحياة الجامدة" الشبيهة بالموت بلحظة من الحركة المستمرة، ليس هذا وهماً، ولا سحراً؛ بل هو المبدأ نفسه الذي عُبّر عنه باستخدام سلسلة المنحنى من قبل برونيليشي لبناء قبة كاتدرائية سانتا ماريا ديل فيوري (Santa Maria del Fiore) في فلورنسا، والذي ردّده تعريف ليبنيز المكتشف للعلاقة بين سلسلة المنحنى للمجال المعقد والمبدأ الشامل للعمل الأقل.
يعد مبدأ الفاصلة الفيثاغورية في الشعر والموسيقى مفتاحاً حاسماً للتأليف الفني والعلمي الفيزيائي. تحدد الفاصلة، كما جاء في مناقشة فيثاغورس، بالفرق الطبيعي المتولد عن مقابلة أكثر الأصوات المغنية، بل النشيد (bel Ganto) (مثل فلورينتاين) بتقسيمات المصوات الخطي الذي لا حياة فيه. والفرق بين الموسيقى الخطية البشرية لا تقرر رياضياً، بل الانعكاس الطبيعي للفرق بين أداة حية وأداة ميتة.
أما في الشعر الكلاسيكي، يكون دور الصوت البشري المغني المدرب على سلسلة المنحنى دوراً حاسماً. وبالمثل، فإن النقطة المقابلة والمحددة جيداً كما عرفها جي. إس. باخ (Bach) تعريفاً علمياً دقيقاً، تحدد البعد عن المنتجات الشبيهة بالسجن الكاري المحزنة لراميو (Rameau) الاختزالي الناجمة عن موت الدفاع الفعلي. هذه النقطة كما شرحها فرانز شوبيرت (Franz Schubert) بإيجاز وبساطة مع إعداده لـ "إيرلكونيغ" (Erlkönig) غوته (Goethe)، هي النمو التراكبي للتصويت والأصوات الذي يميز إرسال السخرية المقصودة والمجاز اللذين يعدان جوهر صفات الفكر البشري المنطوق، من الثرثرة الرتيبة الشبيهة بنص أرسل بالمبرقة، أو الرومانسية الفارغة أو الثرثرة والطنين الحداثي.
تكمن الخصائص العامة المشتركة للفن الكلاسيكي وأدائه، جوهرياً، ليس في الحواس، بل في خيال المتكلم والسامع المشتركين. ففي الدراما الكلاسيكية المؤداة جيداً، مثل مسرحية شكسبير، سرعان ما يتحول انتباه المشاهدين من المسرح المنظور إلى مسرح خيال المشاهدين، كما يقول شكسبير نفسه في الدور الافتتاحي للكورس في مسرحية هنري الخامس. والأمر نفسه ينطبق على أداء الأعمال الموسيقية الكلاسيكية حيث تلتقي عقول المؤلف والمؤدي والمستمع الذكي معاً في مجال مشترك من قوى الخيال المعرفية.
الغاية من الربط بين الفن الكلاسيكي والعلم الكلاسيكي كعلم أفلاطون وكوسا وكيبلر وليبنز وغوس هي ربط القوى المعرفية لأعضاء المجتمع الأفراد معاً في جهود للوصول إلى غاية مشتركة. أثناء تدريبات العلاقات الاجتماعية ضمن المجتمع، بمساعدة تأليف أنماط فتية كلاسيكية وأدائها، خير لنا أن نحشد المكتشفات الفردية لتلك المبادئ الفيزيائية الشاملة الموجودة في اللامرئي واللامسموع، ضمن غايات مشتركة للعملية الاجتماعية ذات مهمة موجهة يستطيع الإنسان بفضلها قهر الطبيعة الخارجية. وبفضل هذه الوسيلة ارتقى الإنسان فوق الوحوش ومَيَّز نفسه من القرود.
هنالك ما هو أكثر من ذلك. إن حياتنا الفانية ليست إلاَّ لحظة خلود. كما أن رؤيتنا لهويتنا الشخصية بدلالة وجودنا الهش التالي، تنزع إلى تعزيز اليأس لدينا كلما واجهنا ظروفاً مخيفة. ومع ذلك، إذا ما نظرنا إلى أنفسنا كمخلوقات تتمثل الأفكار الثورية، كمكتشفات المبادئ الفيزيائية الشاملة، ونعززها وننقلها من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، وربما نضيف شيئاً إلى ذلك المخزون فإننا نكتسب إحساساً بأن وجودنا الشخصي موجود أساساً في مركز الوجود البشري الماضي والحاضر والمستقبل، بما يليق بمخلوقات الأفكار.
وهكذا، عندما نفكر في المنافع التي ننقلها إلى أسلافنا الذين حققنا لهم أحلامهم، وإلى أبنائنا وأحفادنا من بعدنا، يغمرنا التفاؤل بأنفسنا وبحاضرنا مهما كانت مدة حياتنا الفانية. وهكذا فإن أي شخص من الماضي عرفت اكتشافه الأصلي، أو أية شخصية هامة من الماضي، كالفتاة الفلاحة جان دارك، وصلت إلي كفكرة شاملة عالمية، فإنه لن يكون ميتاً في نظري ما دام عقلي حياً. وسوف أقاتل في سبيل قضاياهم. تلك هي الطريقة التي يحياها الطيبون.
هنا تكمن الأهمية التي لا تنكر لصعود الصغار حتى في ظروف التهديد والاغتصاب والإفساد التي تمر بها المجتمعات عموماً. فليست المسألة هي أن تشعر بأنك على ما يرام، بل المسألة هي أن تكون على ما يرام حقاً، بالأسلوب الذي تصفه المبادئ الواردة في مقدمة الدستور الفيدرالي للولايات المتحدة الأمريكية؛ أي أن تكون على ما يرام بالمعنى الذي حدده الخصم الفاسد الرئيسي لجون لوك، وهولبينز، بأنه حق السعي إلى السعادة. إنها سعادة العيش بكفاءة كمؤرخ ومفكر في الماضي والحاضر والمستقبل معاً.
ولهذه الأسباب ذاتها يظل الزعيم السياسي والعلمي والفني حتى يومنا هذا زعيماً لا غنى عنه، خصوصاً في مجتمع يسيطر عليه زمن المأساة الذاتية، كما هو حال المجتمع الأمريكي الحالي. إنه دور لا بد لي من ملئه، بسبب الافتقار إلى البدائل، أقدم لك من خلاله المستقبل. فانظر هنا إلى أطفالك، وأطفال أطفالك، وكل من سيلد بعدهم. صنهم من الشر الذي يمثله صقور الدجاج اللصوص الشتراوسيون أشباه الساحرة الشريرة العجوز، ومن الحروب التي يشنونها وخطط النهب التي يضعونها، من أجل ماضي وحاضر ومستقبل الإنسانية اليوم. الإنسانية جيدة إنها خير مخلوق في خلود الخالق. فدافع عنها وفق ذلك، وكن إنسانياً حقاً.

***
الهوامش
(1) سي. أف. فيلد مارشال إريك فون مانشتاين (الانتصارات الضائعة). مذكرات ألمع جنرالات هتلر عن الحرب). مطبعة برسيديو، 1994، وصف لطغيان رامسفيلد على جنرالاته، المماثل لطغيان أدولف هتلر الفاشي المجنون.
(2) ليست حياة الأستاذ الجامعي في جامعة شيكاغو ليوشتراوس التي رعاها الألماني كارل شميث وحدها هي التي استخدمت لمكافأة هتلر ومنحه سلطات دكتاتورية بعد حريق الرايخستاغ. بل إن سياسة إدارة بوش الحربية ومسودات "قانون الوطنية" وقاعدة غوانتانامو ومعتقدات أشكروفت ذات الصلة بالموضوع كلها نسخ من معسكرات الاعتقال النازية والعقائد المتعلقة بذلك في القانون الذي وضعه كارل شميث.
(3) إننا نجد أشكالاً ذات صلة بجنون كراهية الحقيقة في النقاش الذي طرحه زميل محكمة العدل العليا الأمريكية أنطونين سكاليا في مذهب النص الممارس. وخلافاً للنصّيّة القبلانية الشتراوسية وأمثال شتراوس، الصريحة، فإن حوارات أفلاطون السقراطية، والهدف الرئيسي لكراهية شتراوس الظاهرة قد طرحت على أساس مبادئ البناء الممثلة تجريبياً، تماماً كالتراث الفيثاغوري لأركيتاس وأفلاطون الذي وضعه غوس في بحثه سنة 1799 بصيغة الفيزياء الرياضية للمجال المعقد. لا يحتاج المرء، مع أفلاطون، مناقشة تفسير النص؛ بل عليه تكرار البناء التجريبي الذي قدمه أفلاطون.
     وأية مناقشات بشأن ترجمة كتابات أفلاطون أو نسخها فإنما تتقرر من خلال الأساليب المعرفية للبناء. إن أسلوب شتراوس وسكاليا في مناقشة النص يعد مثالاً على الأشكال الفصامية للتلاعب بالألفاظ عند الإسمانيين، ودليلاً على التعابير المرضية على هيئة لغة تتطابق مع الفكر الفصامي وتعكسه أحياناً.
(4) "Uber die Hypothesen Welche der Geametriezu Grunde Liegen" لبرنهارد ريمان، H. Weber، طبعة نيويورك: منشورات دوفر، طبعة ثانية 1953.
(5) من بين أسوأ حالات سوء استخدام الشعب لما هو "طبعي" بوصفه معياراً هي أمثلة التهديد بالعنف الفعلي الذي يُعززه التعصب الديني والعرقي.
r
 r

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق