الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

حفلات شواء في الهواء الطلق


عماد رسن

تكررت حوادث حرق الإرهابيين الذين يقعون بيد الأهالي بعد أن يفشلون في تفجير أنفسهم في العراق, إذ تتم عملية الحرق بعد موت المتهم ضربا ً في طقس جنوني يشبه في وصفه طقس ديني لقبيلة بدائية تعيش في عصور ما قبل التاريخ. يركض الشباب والأطفال خلف الجثة وهي تسحل من قبل البعض حيث يضربونها بالحجر وبالأحذية وبكل ماتيسر بين أيديهم أضافة إلى الركل بالأرجل, بعد ذلك يتم صب النفط على الجثة وربما يتم تعليقها على أحد الأعمدة القريبة لتتم عملية الحرق بشكل هستيري. هذا مايمكن مشاهدته في مقاطع فيديو عديدة على موقع اليتوب واللافت أن هناك ممن يلبس زي الشرطة بين المحتفلين بعملية الشواء في الهواء الطلق, يتواطؤون مع الأهالي في عملية الإنتقام خوفا ً منهم أو تعاطفا ً معهم.

نعم, أن مشاهد العنف تلك لها جذور في تاريخ العراق الحديث لكنها أصبحت أكثر وضوحا ً وشدة ً في العقود الأخير على أثر الظروف السياسية القاهرة التي مر ويمر بها المجتمع العراقي. فسحل صباح أبن رئيس الوزراء العراقي السابق نوري السعيد من قبل مجموعة الغوغاء من الجماهير في طقس يشبه إلى حد ما الطقس الذي وصفته سابقا ً ومن ثم قتل العائلة المالكة بطريقة بشعة يندى لها الجبين لمن أوائل القصص التي جعلت ظاهرة العنف تتشكل كجزء من وعي الفرد العراقي. بعد ذلك صارت طريقة السحل وتعليق الناس على المشانق, كاسلوب في التصفية السياسية بتهمة التخوين, في وسط الشارع وأمام المارة الذين بينهم الأطفال والشباب والذي يأجج مشاعر الإنتقام بنفس الطريقة عندما يصل الخصوم إلى السلطة. ومما زاد الطين بلة الحروب المتكررة وقصص الموت التي كان الجنود يحملونها معهم بحقائبهم ليقصوها على أطفالهم عند العودة في الأجازة بل أن مشاهد الموت والدم كانت تأتي على شاشة التلفزيون في برنامج صور من المعركة بعد نهاية كل معركة يعتقد النظام بأنه كان منتصرا ً فيها لتصبح رؤية الجثث شيئا ً مألوفا ً ومقبولا ً اجتماعيا ً وثقافيا ً وحتى فنيا ً عندما كنا نرسم جثث القتلى في درس الرسم في الصفوف الإبتدائية كجزء من البروبوجاندا الحزبية التي كانت تفرض على التلاميذ في رسم مشاهد الحرب.

ولكن, يبقى السؤال, لماذا الحرق؟ أن صيغة الإنتقام لابد أن تساوي أو تفوق أصل الجريمة كطريقة لتحقيق العدالة والمساواة لحفظ حالة التوازن الطبيعية في القانون الكوني والمتجسد في مبدأ العين بالعين والسن بالسن. فالشخص الذي يريد أن يقتل العشرات لابد أن يموت عشرات المرات وهي أمنية لايمكن تحقيقها بسبب أن الإنسان يموت مرة واحدة فقط, ولهذا السبب أن إنزال أقصى العقوبات وأقساها ربما يكون حلا ً مريحا ً نوعا ً ما. أما الحرق فهو يعبر عن أشد حالات الألم ولايوازيه إلا ألم المخاض في الولادة في الموروث الديني الراسخ في الذاكرة الجمعية, وإن ذلك الموروث الديني يخبرنا بأن الموت حرقا ً عن طريق الخطأ أو بحادث يكون الضحية فيه شهيدا ً لما يحمل من شدة في الألم. مع ذلك فأن الحرق ربما فيه تعبير عن حالة الخزي التي تشابه خزي من يدخل النار لفعل الخطيئة من المجرمين الذين لاتنالهم الرحمة ولايشمون ريح الجنة وإن كانت النار أحدى المطهرات من الذنوب بعد قضاء مدة العذاب الموازية للجرم في ساحة العدل حيث لاتقابل موت روح واحدة بعشرات الأرواح من الضحايا بل تموت وتحيى إلى أبد الآبدين كتعبير عن العدالة الإلهية.  من جهة أخرى, ربما يخفف لون النار المائل للحمرة مشاعر الغضب الناتجة عن لون الدم المراق في مكان الحدث, أما حفلة الشواء فهي طريقة للتعبير عن الإنتصار وأن المجرم قد صار بمثل ما أراد أن يصير لغيره فلافرحه له بفشله بعد أن نال نفس القسط من الأذى. ويغيب عقل الفرد في خضم حالة الغضب الجمعي التي تسيطر على وعي الأفراد الساعين إلى الإنتقام والإحتفال بأنتصارهم على الجاني ومن يقف خلفه وأن عملية الإلغاء المادي قد تمت بنجاح بعد تشويه ملامح الضحية التي تعرف بها هويته وهي طريقة توازي فعل الجاني بإلغاء مجموعة من الأفراد ماديا ً من الوجود وتغييبهم بقتلهم بسيارة مفخخة لاتبقى لهم أثر بعدها.  

لا ألوم أحدا ً من الأهالي على ما يفعلونه بشخص أراد تفجير نفسه بينهم ليقتل أكبر عدد منهم دون أدنى مراعاة لحرمة الإنسان والحيوان على السواء, ولكن, طريقة الإنتقام بهذا الشكل لها دلالات متعددة وعواقب وخيمة على المجتمع بأسره. فمن دلالت هذا العمل أن أفراد المجتمع قد فقدوا الثقة بمؤسسات الدولة الأمنية وبالقانون لتسود شريعة الغاب وثقافة خذ حقك بيدك, وهذا يحدث حتى مع رجل الأمن الفاقدي الثقة بالقانون وبالعدالة التي يجلبها بمشاركته بحفلة الشواء مع الأهالي, وبطريقة ثانية قتل الإرهابي في مكان الحادث أفضل من تسليمه للشرطة حيث سينعم بمحاكمة فيها طول معيشة وربما يهرب بعدها بعد دفع مبلغ توفره الجماعات المسلحة كرشوة أو يهرب كما هرب سجناء أبو غريب أو على الأقل يخرج بعفو كنتيجة لمساومات سياسية أو يعود لبلده إن كان عربيا ً في صفقة لتبادل السجناء وهكذا. أن فقدان الثقة بالقانون يفتح أحتمالات البحث عن حلول فورية خارج إطار سلطة القانون التي فقدت مصداقيتها عند الجماهير. ومن دلالات هذا العمل أيضا ً هي أن المجتمع قد وصل إلى مرحلة ومستوى عاليين من العنف والعنف المضاد الذي يتسلق إلى قلوب الأطفال منتزعا ً منها البراءة والطفولة لتمتلأ بمشاهد القتل والحرق ولون الدماء التي تبدد مشاعر الحب والتسامح في أفئدتهم مما يؤثر على مشاعرهم وتفكيرهم وسلوكهم في الحياة اليومية ويقلص فرص حل المشاكل عن طريق الحوار والتفاهم والمناقشة المجدية. أضف إلى ذلك, سيكون العنف لوحة مرسومة في ذاكرة الزمان والمكان والتي سيحملها الأجيال جيل بعد جيل كقصة من قصص البطولة المزيفة.

أن أستسهال القتل بهذه الطريقة له عواقب وخيمة على سلوكيات الفرد في المجتمع حيث سيحمل الأطفال والشباب مشاهد القتل ولون الدماء في ذاكرتهم ليكون الطريقة الوحيدة لأخذ الثأر والإنتقام من الجاني بل ينعكس حتى على معاملة الأفراد لبعضهم البعض لتنعكس في التعامل اليومي في داخل البيت بالتعامل مع الزوجة والبنت والأخت والأخ والأولاد. فالصورة الحية والصور المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو التي تحمل مشاهد العنف والقتل لايمكن أن تمحى من وعي ولاوعي الفرد وتظل عنصرا ً فاعلا ً في صياغة عقل ومشاعر ومن ثم سلوك الفرد داخل المجتمع حيث يصبح لون الدم عاديا ً والقتل حالة طبيعية يمكن قبولها والتعامل معها على أنها شيئ طبيعي ومن ثم أستسهالها كطريقة في حل النزاعات بعد البحث عن مبرر لها كالمبرر الديني بالفتوى أو بالتكفير أو مبرر الإنتقام والدفاع عن النفس كوسيلة لإراحة الضمير. عندما يتوفر الإستعداد للقتل كطريقة لإلغاء الآخر من الوجود فمن السهل حينها إيجاد مبرر له دوافع دينية أو ثقافية أو سياسية.

أن الحد من هذه الظاهرة سيدفع بالتأكيد إلى تقليل مستوى العنف في المجتمع وعلى الدولة أن لاتتساهل في تلك الأمور, فمقابلة القتل بالقتل جريمة لاتختلف في شكلها عن الجريمة التي أراد الجاني فعلها, هذا من الجانب القانوني أما من الجانب الاجتماعي فأن التساهل مع مشاهد القتل أمام المارة وبينهم الأطفال يفرغ المنظومة الأخلاقية في المجتمع من الحالة الإنسانية وحرمة الكائن الحي بالخصوص بعد التمثيل بجثة الميت مما يترك أثرا ً سلبيا ً عن معنى قيمة الإنسان في الوعي الفردي والجمعي لأي مجتمع. ربما يكون كلامي مثاليا ً وأن هناك ممن يقول أن من يده في الماء ليس كمن يده بالنار وأني لو كنت في مكان الحاث ربما لفعلت مثلهم, أقول ربما نعم ولكن هذه الظاهرة لاتحدث في دول كثير يتعرض مجتمعها للعنف اليومي والتفكير بمحاربتها, وإن كان مثاليا ً, لكنه يبقى الحالة الوحيدة الصحيحة لصحة المجتمع ولسيادة القانون الذي يجب أن يحترمه الجميع وأن الفعل المقابل خارج أطار القانون سيشجع على إنتهاكه بطرق مختلفة.

عماد رسن


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق