الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

هل يحق لنا مقارنة ابن الشعب البار قاسم بالمالكي؟



تخرج علينا بين الحين والاخر مقالات تحاول ان تضع ثاني انزه زعيم سياسي حكم العراق على مر تاريخه بعد الامام علي ابن ابي طالب وفق آراء كتاب وباحثون كثيرون اي الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم في مقارنة ظالمة مع المالكي "هبل العراق الجديد"، الذي وصل الفساد في دائرته المقربة جدا وحزبه ودولة قانونه ناهيك عن الدولة التي يقودها الى مستويات مرعبة. لا يغض الطرف عنها ومحاولة ايجاد التبريرات لها الا متملقين من العيار الثقيل ولانهم يعرفون جيدا مدى تملقهم نراهم يؤكدون في كل مقال يدبجوه في مدح رأس الفساد "لانه رأس السلطة التنفيذية" من انهم لا يدافعون عنه لمصلحة شخصية ولا طائفية بل لان الظرف السياسي الذي يمر به السيد المالكي هو نفسه الذي مرّ ابن الشعب البار قاسم "اللي جوه ابطه عنز يمعمع"، وهذا يعني بشكل او بأخر بأن الظروف الموضوعية من وجهة نظرهم التي تحيط بالمالكي اليوم هي نفسها التي كانت تحيط بالزعيم المغدور سنوات حكمه، ولأن جغرافية العراق لم تتبدل فاننا سنناقش موقف دول الجوار من الزعيمين على ان نتناول مواقف القوى "الوطنية" والغربية منهما في مكان آخر من المقالة.

 موقف دول الجوار

 

 أيران غربا: لقد اجهز الزعيم الشهيد قاسم بقرارات سريعة وثورية على اهم حلف استعماري كبّل لعقود شعوب المنطقة وهو حلف بغداد، ما دفع دول الحلف المجاورة للعراق كتركيا وايران على اتخاذ مواقف عدائية تجاه الثورة وتحشيد قوى الردة المرتبطة بها للاجهاز عليها عن طريق تحريك تلك القوى التي تضررت كثيرا من نجاح الثورة وقراراتها الشعبية. ولان المواقف التركية تجاه العراق "والمالكي" هي نفسها تقريبا تلك التي اتخذتها انقرة تجاه العراق وزعيمه قاسم أي حنينها للعب دورها العثماني فاننا سنتجاوز موقفها لنتعرف عن كثب على موقف دولة  عادت قاسم وثورة العراق حتى اللحظة الاخيرة لثورة 14 تموز اي ايران، التي حرّكت المرجعية الدينية ممثلة بالسيد الحكيم لمعاداة الثورة وزعيمها اللذان انصفا وللمرة الاولى في تاريخ العراق المكون الشيعي من خلال احترام الثورة وقادتها المخلصين لجميع مكونات شعبنا، وقد شجع الشاه بشكل غير مباشر بعد وفاة البروجردي السيد الحكيم ليكون مرجعا للشيعة، لتخليص ايران من مركز ثقل ديني كان يشكل ارقا لنظامه عندما بعث اليه ببرقية تعزية رسمية، كما غض النظر عن تأسيس حزب اسلامي في العراق على ان لا يكون له فرع  في ايران ليتم بعدها تأسيس حزب الدعوة الاسلامية في تواريخ متضاربة حتى في ادبيات الحزب نفسه. فهل موقف ايران من المالكي اليوم هو نفس موقفها من قاسم حينها!؟ وهل يستطيع عبيد المالكي ان يفسروا لنا لماذا تعسّر تشكيل الحكومة العراقية برئاسة "هبل العراق" لحين اجتماعه وغرمائه بالبيت الشيعي في ايران وتحت رعاية دولة ولي الفقيه وفيلق القدس؟ ان أعمى البصيرة فقط هو الذي لا يرى الدعم الايراني غير المحدود وعلى مختلف الصعد للمالكي والذي كان يقابله عداء غير محدود لقاسم اثناء ثورة تموز، فهل ظروف قاسم هي نفس ظروف "هبل" التي يعمل عابدوه على تسويقها لنا اليوم على رغم معرفتهم انها بضاعة لا تسوى فلسين في بازار السياسة؟

 

سوريا والاردن شرقا: لقد كان موقف الدولتين تجاه الثورة مختلفا من الناحية المبدئية الفكرية الا انه كان متطابقا من الناحية العملية، فالعائلة المالكة الهاشمية كانت تشعر بالمرارة ليس لرحيل ابناء عمومتها عن الحكم خصوصا وان رحيلهم كان تراجيديا فقط بل ولفقدانها المساعدات العراقية على قلّتها ايضا، ما دفعها لان تضع كامل ثقلها للاجهاز على الثورة ورجالاتها وخصوصا الشهيد قاسم، عن طريق تنسيقها وتعاونها غير المحدود مع مختلف اجهزة المخابرات الاقليمية والدولية، كما كان لها محاولة للسيطرة على رتل الهادي "اللواء المدرع السادس" المرابط على اراضيها وتحريكه لمواجهة الثورة مستفيدا من انزال بريطاني محدود على اراضيه اضافة الى انزال الجنود المارينز الامريكيين في لبنان. أما سوريا والتي كانت جزءا من الجمهورية العربية المتحدة بزعامة جمال عبد الناصر وعلى اثر رفض قاسم الوحدة الفورية معها فانها قامت وبأوامر مباشرة من عبد الناصر بتحريك الشارع القومي والبعثي ضد الثورة وتوجتها بتدخلها المباشر بتهيئة مستلزمات انقلاب الشواف وعلى رغم فشلها في تلك المحاولة الا انها نجحت بعد 4 سنوات في القضاء على الثورة وقاسم ليدخل العراق حمام دم بعثي لازال لليوم طريا. فهل موقف الاردن الذي يضخ اليها المالكي النفط بالمجان مرات وأخرى باسعار رمزية منه "المالكي" اليوم وسكوتها المشروط وعدم تدخلها الرسمي العلني بمواجهة المالكي يمكن مقارنتها بموقفها من تموز وقاسم!؟ أما موقف سوريا من المالكي فانه لم يفرق بشيء عن موقفها من الشهيد قاسم سوى ان المالكي ولحسابات طائفية ليس الا وقف الى جانب نظام بشار الاسد، وابسط مثال على ذلك هو عدم اتخاذه اية خطوات عملية لمواجهة الاسد واجهزة مخابراته التي عاثت بارض العراق فسادا عن طريق مساعدة بهائم القاعدة للوصول الى العراق وتقتيل شعبه واتخاذهم دمشق كمحطة للعبور والتدريب، وهذا ما صرّح به المالكي نفسه وهدّد بجعجة فارغة بكشف ادلة وملّفات يمتلكها ضد النظام البعثي المقبول من ايران راعي المالكي وتحالفه الحاكم وهذا ما منعه من اظهارها.

 

ويبقى الموقف السعودي اليوم من العراق وتأثير تدخله بشؤونه الداخلية اكبر من زمن قاسم نتيجة التطور الكبير في الموقف السعودي على الصعيدين العربي والعالمي لما تمتلكه من رساميل ضخمة، استخدمتها بخبث كبير في انتشار المذهب الوهابي الراعي لجميع الحركات الارهابية في المنطقة والعالم وممولها. أما الكويت والتي كانت تمتلك في 8 شباط الاسود اذاعة تبث من خلالها اسماء الوطنيين العراقين من شيوعيين وقاسميين وهذا ما صرح به الملك حسين في مقابلة له مع محمد حسنين هيكل، فان المالكي اشترى عدم تدخلها الرسمي بشؤون العراق الداخلية ومعاداته شخصيا بتفريطه باراض ومياه العراق الدولية. والسؤال هنا هل موقف الكويت من المالكي هو نفسه من قاسم؟

 

الموقف الدولي

 

كانت كل من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وباقي الدول الغربية في حالة الصدمة اثر نجاح ثورة تموز وقد أوضحنا قبل قليل جزء من الدورين العسكريين للدولتين في محاولة منهما لاحتواء نتائج الثورة، وبقيت هاتان الدولتان تلعبان ادوارا اساسية لتخريب الجبهة الداخلية العراقية عن طريق زيادة العناصر الناقمة على الثورة ودعمها، خصوصا بعد انسحاب العراق من حلف بغداد وخروجه من دائرة الاسترليني وسن قانون النفط "رقم 80" الذي بموجبه حرر واستعاد قاسم ما يقارب من 95% من الاراضي التي كانت مشمولة بامتيازات شركات النفط متعددة الجنسية، كما لعبت الدولتان ادوارا قذرة في محاصرة ثورة تموز دبلوماسيا. كل هذا وغيره الذي لا مجال لذكره في مقالتنا هذه حاكتها الدولتان ضد قاسم، فما هو موقف هاتين الدولتين من المالكي؟ سؤال اطرحه على عبيده مذكرا اياهم بفتح المالكي حقول النفط العراقية واراضيه غير المستكشفة لليوم امام جولات التراخيص لصالح الشركات الغربية دون وجود قانون للنفط والغاز يحمي ثروات شعبنا الايلة للنضوب. ان بناء شرق اوسط جديد على مقاسات امريكية بحاجة ماسّة الى ساسة من امثال المالكي وليس قاسم، ولذا فمن المعيب مقارنة عملاق مثل الشهيد قاسم مع سياسي كان مغمورا حتى الامس القريب ومن الصف الرابع في حزبه كالمالكي، ولكن يبدو ان للدولار رائحة نفّاذة وان كانت على الضد من اشرعة سفن الوطن والناس.

 

الموقف الداخلي

 

لو تتبعنا قرارات ثورة تموز فاننا نستطيع ان نصل بسهولة ويسر كبيرين الى فهم طبيعة القوى التي ناهضت الثورة واتحدت على رغم تباين مصالحها لتدمير تلك التجربة التي برحيلها بدأ ناقوس الخطر يدق بصوت عال، ليصيب "الساسة" الفاشلين وعبيدهم من "كتاب وصحفيين ومثقفين" بالصمم والعمى والخرس وهم يشاهدون بلدهم يجري تدميره في سوق نخاسة الطائفيين وتنهب ثرواته، وشعبهم يتجرع الموت اليومي لنجاح الارهابيين وفشل الحكومة التي يقودها "هبل" في محاربتهم رغم الامكانيات المادية الهائلة للمالكي وحزبه. فالمؤسسة الدينية وقفت ضد الشهيد قاسم بكل ما تملك من قوة بعد اصدار حكومة الثورة قانون مساواة المرأة بالرجل ، رغم احترام قاسم الكبير لرجال الدين ومنحهم الوظائف الرسمية خصوصا في سلك التعليم. كما وقفت العشائر بشخوص رؤسائها  ضد الشهيد قاسم بعد الغاءه قانون العشائر وملحقاته وتعميم القانون المدني للفصل في جميع القضايا.

 

أما المؤسسة الدينية اليوم فهي التي اوصلت المالكي وتحالفه الى سدة الحكم بفتاواها التي تعمل اليوم على تخفيف وطأتها بعدم استقباله وغيره من اللصوص سارقي قوت الشعب والمتاجرين بارضه ولكن بعد ان سبق السيف العذل، حيث فساد المالكي ورهطه يزكم الانوف حتى وصلت الاموال المنهوبة من ميزانية العراق في عهده الاسود الى مئات مليارات الدولارات وليحتل العراق في عهد الاسلاميين وعن جدارة ولسنين عديدة احد اهم المراكز المتقدمة بالفساد، فهل موقف المؤسسة الدينية التي ساهمت في اغتيال قاسم هو نفس موقفها من ابنها الطائفي المدلل المالكي؟ اما العشائر التي ناصبت قاسم العداء فانها اليوم تأتي لتقمع المتظاهرين في ساحات التظاهر بأوامر رسمية ولتصرخ في مؤتمرات العشائر التي ينظمها حزب الدعوة والمالكي ان لا تنطيها في شد طائفي واضح لا يود عبيد "هبل" ان يروه.

 

اما الكرد الذين ساهموا ايضا في اغتيال ثورة تموز فهم الذين اوصلوا المالكي للسلطة ثانية من خلال مؤتمر اربيل، وسيذهبون بعيدا في تأييده لولاية ثالثة اذا ما منحهم وعودا حول بعض المسائل العقدية ليتملص منها لاحقا كما تملص من اللواتي قبلها. فهل موقف الكرد من قاسم هو نفسه من المالكي "هبل" أيها الساجدون قياما وقعودا. ويبقى العامل الاكثر اثارة في العداء لقاسم وللعراق ارضا وشعبا وثرواتا وقيما واخلاقا أي البعثيين القتلة، حيث نراهم اليوم وبأمر من المالكي ورجالات حزبه في مفاصل عديدة ومهمة من "الدولة" العراقية لانهم شيعة لا اكثر ومنهم اعداد كبيرة من اعضاء دولة "القانون". فعن اية مقارنة يبحث عبيد المالكي هؤلاء عندما يقارنوه بنجم لن يأفل مطلقا من ذاكرة شعبنا والتاريخ!

 

والمالكي المتعطش للسلطة من اجل استمرار نهب ثروات البلد من قبل حزبه وقائمته الانتخابية والعمل على تفتيته اسوة بشركائه في ما يسمى بالعملية السياسية لا يمكن مقارنته  مطلقا بقاسم الذي لم يمتلك لا حزبا ولا قائمة انتخابية وهو الذي كان يردد دوما "انني فوق الميول والاتجاهات"، قاسم الذي يشهد بنزاهته حتى اعداءه اللدودين لهو اعلى قامة من كل الساسة الطائفيين اليوم وليس هبل العراق الجديد وحده الذي فشل في ادارة "بلده" فشلا ذريعا لليوم.

 

واذا كان لقب الزعيم الاوحد اطلق على قاسم لانه اصبح صانعا للقرار كونه رئيس للوزراء ووزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة، فان المالكي اضاف الى تلك المهام ترؤسه لوزارة الداخلية والامن الوطني واجهزة الاستخبارات ومحاولاته المستمرة للسيطرة على القضاء والبنك المركزي والعديد من المؤسسات المرتبطة بالبرلمان وغيرها ليهيء نفسه لدورة رئاسية ثالثة. ان انتخاب "هبل" العراق لدورة ثالثة سيكون خطرا جدا على الحياة السياسية مستقبلا لان البطانة التي اوجدها حزب الدعوة ودولة القانون حوله تحولت الى مافيات والتي ستتحكم ان لم تردعها قوانين الشفافية والمحاسبة الى حكومات داخل الحكومة، عندها فقط ستشعر القوى السياسية التي تسهل امر رئاسته للوزراء مرة ثالثة بفداحة خطأها ولكن بعد فوات الاوان.

 

نهاية اود القول وطبقا للاحداث التاريخية التي سادت زمن قاسم ومقارنتها بزمن "هبل" من قبل البعض لاتخاذها مطية بالدفاع عن المالكي، ستكون مقارنة غير ناضجة فكريا ولكنها ناضجة جدا اذا ما ارتبطت بالدولار.

 

من يريد ان يكفر فليقارن الشهيد عبد الكريم قاسم بهبل "المالكي".

 

للتعرف اكثر على الفرق بين العهدين يرجى مراجعة مقال لمصلحة من هذا الهجوم على الحزب الشيوعي؟ وهو على حلقتين.

 


 


 

زكي رضا

الدنمارك

24/9/2013

 

 

     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق