الاثنين، 5 أغسطس، 2013

فلسفة الإحساس بالزمن

عماد رسن
يقول البروفيسور في علم النفس جون ويردين أن أمي تقول: أن الأيام تبدو وكأنها ستدوم إلى الأبد, وأن الشهور تبدو وكأنها تطير من السرعة. ويبقى السؤال: لماذا نعيش اللحظات الجميلة بسرعة لانتوقعها, ولماذا تمر علينا اللحظات الحزينة والتعيسة وكأنها دهر لانهاية له! عندما نعود بالذاكرة لأيام الطفولة تبدو السنين وكأنها تمر مرور السحاب. هل فعلا ً أن أحساسنا بالوقت يتسارع كلما كبرنا بالعمر؟ تبقى تلك الأشياء مجرد فرضيات من الصعب إثباتها, لأن موضوع الإحساس بالزمن موضوع ذاتي بحت, إذ لاتوجد هناك نقطة موضوعية يمكن الانطلاق منها لبناء نظرية يمكن إثباتها لاحقا ً. ولكن, على الأقل, كلنا مر بتجربة الإنتظار في ردهة المستشفى بإنتظار الدور لرؤية الطبيب وكيف أن الوقت يمر ثقيلا ً, وكأن الساعة الرملية قد توقفت, أما مشاهدة فلم ممتع فتمر الساعتين وكأنها بضع دقائق حيث تطير الساعة الالكترونية بسرعة فائقة بدقائقنا إلى الأبد. من هنا, لابد من الأشارة أنه يوجد هناك مقياسان للزمن, الأول مقياس موضوعي والثاني مقياس ذاتي!

أن المقياس الموضوعي هو ضبط حركة الزمن بتقسيمه إلى سنين وأشهر وأسابيع وأيام وساعات ودقائق وثوان, وأن أول من فعل ذلك هم قدامى السومريون والبابليون والمصريون الذين أرادوا ضبط حركة الشمس والقمر للاستفادة منها في الزراعة لمعرفة مواسم الحصاد وأوقات فيضانات الأنهار. أن هناك أكثر من مفهوم لفلسفة الزمن بشكله الموضوعي, فهناك من يعتقد أن الزمن شيء مستقل عن عالمنا الموضوعي أي أنه غير مرتبط بالأحداث وقد ذهب أسحاق نيوتن لهذا الرأي. وهناك من ذهب إلى أن لايوجد شييء أسمه الزمن بل أن عالمنا الذاتي وحياتنا الفكرية تحاول ضبط حركة تعاقب الأحداث لمعرفة الماضي من الحاضر من المستقبل وقد ذهب لهذا الرأي بعض العلماء والفلاسفة ومنهم عمانؤيل كانت. أما أنشتاين فأنه يعتقد بأن الزمن, بشكله الموضوعي, نسبي وليس مطلق أي أن مانلاحظة من تعاقب الأحداث على الأرض يكون أسرع في الفضاء, أي أن رحلة رائد فضاء إلى الفضاء لسنين بسرعة الضوء تجعله أصغر سنا ً حين يعود إلى الأرض. أذن, حاول الإنسان ضبط حركة الزمن مع متطلباته واحتياجاته اليومية, أي ضبط الإحساس الذاتي للزمن مع المقياس الموضوعي بإنشاء منظومة زمنية موضوعية من نتاج التراث الفكري, حتى أن تلك المنظومة الزمنية قد ترسخت لتنعكس على بدن الإنسان ليضبط ساعته البايلوجية مع تلك المنظومة الزمنية. فالإنسان, وبرغم ضبطه للزمن الموضوعي فهو أسير ذلك الزمن ولايمكنه الفرار منه, فهو قد صنع سجنه بيده لأجل تلبية احتياجاته اليومية ومنها ضبط وعيه الذاتي. أن جزء من تركيبة وعي الفرد هو معرفة موقعه في الزمان والمكان, فالزمان ضرورة لضبط وعي الأنسان, فلايستطيع أي فرد أن ينهض صباحا ً ويعتقد أو يدعي بأنه رجل قد أتى من زمن آخر كالمضي والمستقبل.

أما المقياس الذاتي للزمن فهو مقياس متغير ومختلف من شخص إلى شخص, فلكل شخص مفهومه وإحساية وطريقة قياسه للزمن, فاللحظات السريعة عند شخص ربما تكون بطيئة عند شخص آخر. لقد حاول علماء النفس ضبط الإحساس الذاتي للزمن  بعدة تجارب لصياغة نظرية عن المفهوم الذاتي للزمن. فقد قام باحثون نفسيون, بمقدمتهم البروفسور آرون ساكيت من مجموعة من الجامعات الأمريكية بإحتيار مجموعات لتقضي بعض الوقت في مكان التجربة وقد تم التلاعب في سرعة الوقت بتسريعه أو أبطاؤه فلاحظوا بأن من تم تسريع الوقت لهم وجدوا أن الوقت الذي قضوه كان ممتعا ً أما من أبطؤا الوقت لهم فوجدوه كان مملا ً مما يعني أن إحسساسنا بالأوقات الممتعة هو أسرع منه بإحساسنا بالأوقات المملة. وفي بحوث أخرى قام بها باحثون أثبتت أن الإحساس بمرور الوقت يرتبط إرتباطا شديدا في علاقة الدماغ بجسم الإنسان, أي أن سرعة مرور الوقت تعتمد على الإشارات التي يرسلها الجسم إلى الدماغ, فكلما قلت تلك الإشارات يكون الإحساس بالوقت أسرع, ولهذا أن أي هروب من أي أرتباط بحساسية الجسد, يجعل من الوقت يمضي بشكل أسرع. ولهذا فأن الأنسان الذي يعيش حياة عاطفية  مرتبطة بالجسد يكون عنده أحساس بالوقت أبطأ من الذي يعيش حياة بعيدة عن هموم الجسد, وذلك يفسر أن مشاهدة فلم فيه إثارة ومتعة يكون الإحساس بالوقت فيه أسرع من مشاهدة فلم دراما تتعلق ربما بحياتنا اليومية. ربما ذلك يتشابه مع ماقامت به مجموعة من الباحثين توصلوا فيه إلى أن الإحساس بالوقت يكون أسرع عند الذين يؤمنون بالسببية وتعاقب الأحداث بسبب أنهم يستشرفون المستقبل من أحداث الماضي, أي هم أسيرو الروتين اليومي الذي يخلو من الأشياء الجديدة الغير متوقعة.

أذن, عملية الإحساس بالوقت ترتبط أرتباطا ً مباشرا ً بوعي الأنسان وطريقة تفكيره, فمن جهة يرتبط بوعي الإنسان بجسده وحياته العاطفية التي تجعل من الأوقات أبطأ في مرورها, ومن جهة أخرى وعيه العقلي بأهدافه وسعيه لإكتشاف الأشياء الجديدة لغرض المتعة أو البحث عن حقيقة والذي يجعل الانسان يحس بالوقت بشكل أسرع. من هنا نفهم بأن العيش عاطفيا ً بروح الجماعة وتحت ظل العقل الجمعي, أي التركيز على الحياة الاجتماعية كمركب أساسي في تكوين الشخصية يجعلنا نشعر بأن الوقت يمر ببطء شديد والذي يجعل من الحياة روتينا ً دائما ً بالخصوص في الحياة التقليدية خارج المدن الكبيرة. لايهمني هنا إن كان الزمن بطيئا ً أم سريعا ً لكنه يبقى جزءاً لايتجزأ من منظومة الوعي التي تعمق إحساسنا بالأشياء أو تسطحها وفهمنا لعملية الإحساس بالزمن يعطينا القدرة على فهم أشياء كثيرة مرتبطة بوعينا الذاتي.

هناك حقيقة لامفر منها وهي: أن هناك من يشوه إحساسنا بالزمن فيجعله سريعا ً تارة وتارة أخرى بطيئا ً, والذي يجعل من إنتظارنا لبضع دقائق للمصعد وكأنه دهر أو الذي يجعل وقت الجلوس مع من نحب يمر سريعا ً كالبرق. نعم, فنحن أسيرو بنى ثقافية واجتماعية وسياسية وتقنية ترتب علاقاتنا مع أنفسنا, مع الآخرين, مع محيطنا من مؤسسات بكل أنواعها, وربما مع من نؤمن بأنه خالقنا. فتلك البنى هي التي تحولنا لوكلاء بصياغة تفكيرنا وشعورنا وإحساسنا بالأشياء ومنها الإحساس بالزمن. إذن, هناك قوتان, ربما تبدوان متضادتان, الأولى هي الحرية والذاتية التي نتمتع بها والتي تجعلنا أحرارا ً من كل قيد, حتى الشعور بقيد الزمان والمكان, أما الثانية فهي تلك البنى التي تحدثت عنها والتي تغذي محيطنا بالروتين الممل لتجعل الأشياء لاقيمة لها, والتي تجعل منا بلداء في عقولنا فاقدي الإحساس بقيمة الزمن. أما حريتنا, فهي التفكر والخروج من الجسد الذي تحبسه تلك البنى, والتفكير بحد ذاته يحرر العقل البشري من العبودية من خلال بحثه عن الحقيقة وبحثه وإستمتاعه بتجربة الدهشة التي يمارسها الحكماء. فالروتين ورتابة الحياة التي تقتل الأشياء الجميلة والتي تدر بالنفع لتلك البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية لتدوم وتستمر بأسم الحضارة والتمدن هي صنيعة ثقافة رأسمالية لاتبالي بنا كأفراد بل تعاملنا كالقطيع. أما خصوصيتنا وفرديتنا فتبدأ من الشك بكل شي كما فعلها ديكارت من قبل للنطلق برحلة البحث عن الزمن المفقود في دوخلنا لنتلذذ بمعنى الوقت الحقيقي كجزء من الوعي والأحساس بقيمة الوجود بعيدا ًعن أي تشويه.

أن طرح موضوع الإحساس بالزمن ليس ترفا ً فكريا ً بل هو من الأهمية بمكان أنه موضوع مهم من مواضيع علم النفس والفلسفة والدين, وأن هناك مراكز أبحاث مهمة تبحث في هذا الموضوع, فهو يطرح جدلية في غاية الأهمية ألا وهو علاقة الذات بالموضوع, من هو الأصل ومن هو إنعكاس للآخر, هل نبدأ كما فعل أفلاطون وديكارت وننطلق من الذات إلى الموضوع أم كما فعل أرسطو وبعده فرانسيس بيكون في البداية من الموضوع إلى الذات, من يصنع من ومن يهدم من. أسئلة كثيرة تحاكي طبيعة وعي الإنسان وإحساسه بقيمة وجوده وجزء منه هو طبيعة الإحساس بالزمن وكيف التعامل معه لأنه مؤشر مهم لطبيعة تلك العلاقة الملتبسة بين الذات والموضوع.

عماد رسن


 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق