الجمعة، 19 أبريل، 2013

أطفالهم ورود....أطفالنا أرقام!



مارتن ريشارد, طفل صغير يبلغ الثامنة من عمره, قضى في حادث التفجيرات الأخيرة التي ضربت مدينة بوسطن الأمريكية وهو يحيَ والده الذي كان بين المتسابقين في المارثون. لقد ملئت صورة هذا الطفل البرئ كل وسائل الإعلام الأمريكية وباقي الصحف الأجنبية, فهو بالتالي ضحية التخلف والهمجية والتطرف الذي يضرب هذا العالم. لقد رحل مارتن لكن قصته بالتأكيد لن تنتهي عند هذا الحد, لقد أنشأ محبوه صفحة له على الفيسبوك ليتبادلوا آخر الأخبار عن الإنفجارات ولتقديم التعازي لذويه, أنتشرت أيضا ً صور مارتن الأخرى, كصوره في البيت والمدرسة وصورة تحمل لافتة تدعو للسلام. ليس هذا فحسب, سيتولى ذوو مارتن أيضا ً مسؤولية مرحلة مابعد وفاة مارتن, كإنشاء منظمات تدعو إلى تحييد الأطفال في النزاعات المسلحة أو مؤسسات ترعى الطفولة أو التبني وسيجمعون الأموال بإسمة لمساعدة الإطفال المصابين جراء العمليات الإرهابية وأشياء أخرى من هذا القبيل. سيصبح مارتن أكثر من نجم بعد وفاته حينما يستغل السياسيون الأمريكان صور مارتن في دعايتهم الإنتخابية في إعلاء شأن الصقور في محاربة الإرهاب أينما كان, وليس بعيدا ً ربما سيكون لمارتن شارع بأسمه أو مدرسة أو حتى تمثال صغير في مكان الإنفجار حيث لقى حتفه. المهم, سيكون مارتن موجودا ً وحاضرا ً في أذهان الأمريكان والعالم كشاهد على هجمة شرسة ضد مجتمع آمن.

لنذهب إلى الجهة الأخرى من العالم, حيث تزامنت تفجيرات بوسطن التي راح ضحيتها ثلاثة أشخاص مع تفجيرات ضربت مدن عديدة في العراق, إذ راح ضحية الأخيرة العشرات من القتلى والمئات من المصابين. من بين كل أولئك الذين ماتوا في الإنفجارات الإرهابية بسيارات مفخخة في العراق كان هناك أطفال كثر. سأقول بصراحة بإني خجل لأني لم أتذكر أسم أي طفل قتل في ذلك اليوم, فلم تكن سوى صور للضحايا لاأعرف أسمائهم شاهدتهم على صفحات الفيسبوك. لا أعرفهم مطلقا ً وسوف لن أتذكرهم بعد عدة أيام, حتى أنهم ربما لن يكونوا موجودين في ذاكرتي بعد أشهر قليلة ولن أتذكرهم أذا سألني أحد عنهم. ربما هناك صورة عالقة في ذهني من تفجيرات حدثت قبل أسابيع حين شاهدت طفلا ً عراقيا ً وهو ينظر بدهشة للأطباء وهم يحاولون مساعدته بقطع أقدامه بالمقص بعد أن حولهما الإنفجار إلى أشلاء. لا أعرف أسم هذا الطفل المسكين ولا من هو ولاحتى مكان سكناه, فقط صورة بقت عالقة في الذاكرة. لم أشاهد الورود تحيط بالطفل بعد إنتهاء العملية وهو ممدد على سرير المرض ولا حتى صور أخرى لقدميه التي كانتا سالمتين قبل الإنفجار ولا حتى مرت علي صفحته الشخصية التي ربما أنشئها, وأقول ربما, بعض المتضامنين معه. الشيئ الملفت أن مقتل العشرات وإصابة المئات بتفجيرات يومية في العراق لاتضظهر على صفحات الصحف العالمية والعربية إلا كإشارة بخبر هامشي بسيط وكأنه شيئ إعتيادي يحدث كل يوم إذ يستحق هؤلاء القوم الموت بهذه الطريقة بعد أن إختفت أسمائهم وصفاتهم وصورهم من عناوين الصحف.

كل يوم تتعزز لدي قناعة بأننا, كعراقيين, مجرد أرقام مرسومة على خريطة هذا الوطن الذي يشبه فريقا ً لكرة القدم, فحين يصاب أحد اللاعبين يدخل لاعب آخر برقم مختلف, أو حتى بنفس الرقم فمن يأبه, المهم أن تستمر المباراة. لاتتوقف المباراة أبدا ً من أجل لاعب مصاب, فلدينا والحمد لله لاعبين كثر في الأحتياط, ولدينا أيضا ً منتخب أولومبي ومنتخب للشباب والناشئة والأشبال والأندية والفرق الشعبية وفي بطون الأمهات, كلهم جاهزون للعب حين يصاب لاعب ما, المهم أن تستمر المباراة حتى لو أستمرت عملية أصابة الاعبين واحدا تلو الآخر وتبدل الفريق مئة مرة, فلدينا كثر منهم فهم يشكلون عبئا ً على الدولة والمجتمع إذ أن إستبدالهم بآخرين قد أصيبوا ستكون فكرة رائعة. لهذا السبب, لم, ولن, تتوقف المباراة من أجل رقم معين قد خرج من المباراة, فهي مجرد فانيلة يمكن إستبدالها بأخرى ووضع نفس الرقم عليها. المهم أن تستمر المباراة ليعيش آخرون كالسياسيين والمنتفعين والمضاربين والتجار والمدربين واللاعبين والإتحاديين والكروين وكل الناس أجمعين. لايهم, سوف لن تتوقف الحياة في العراق بعد إنفجار سيارة مفخخة قتلت أربعين فردا ً, فنحن أبطال كما يصورنا الإعلام حيث نكنس الشوارع بعدها بكل أريحية وننظف السواقي من بقايا الدماء بعد رش الماء عليها, ونضحك بعدها أو نتداول مزحة بنكهة سيكار يعبر عن ألم داخلي, المهم أن الحياة لاتتوقف! ولماذا تتوقف وقد ذهبت أرقام وأتت أرقام غيرها تعمل بنفس المكان بعد ساعة من الإنفجار, فلاتتوقف الحياة على فرد أو فردين أو حتى مئة ألف فرد, بإختصار علينا أن لانقلق لموت الكثيرين فهم سيذهبون للجنة على إية حال ومن جهة أخرى سيفسحوا المجال لآخرين بالعيش في مكانهم, فعندنا في المخزن المجاور أكثر!

رحل مارتن وسوف يعرف العالم من هو وماكانت أحلامه الصغيرة وآماله الكبيرة, وسيعرف الناس أين سافر وماذا كان يأكل, وسوف تتعطل المدرسة من أجله يوم أو يومين وربما مدارس الولايات المتحدة وبعض الدول في العالم سيقفون دقيقة صمت على موت مارتن المسكين. لم يكن موت مارتن حدثا ً طبيعيا ً ولهذا على كل الناس أن تعرف أنه كان هناك فردا ً أسمه مارتن أراد عندما يكبر وأن يصبح طبيبا ً يعالج المرضى بلا ثمن أو يصبح طيارا ً يحارب الأشرار في كل مكان. لقد أريد لمارتن أن يكون مرئيا ً وواضحا ً وضوح الشمس ليس في وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية فحسب, بل في صفحات التاريخ ليكون شاهدا ً على همجية الهجوم الذي كان يستهدف الأبرياء ومنهم الأطفال الصغار, وشاهدا ً أيضا ً على فشل أجهزة الأمن والشرطة الأمريكية بكل أمكاناتها بأن تحمي طفلا ً صغيرا ً بريئا ً من تلك الهجمة الشرسة, حيث على الشرطة أن تعيد إستراتيجياتها في معالجة ومكافحة ظاهرة الإرهاب.

 أما ذلك الطفل المسكين الذي قطعت ساقاه على أثر إنفجار سيارة مفخخة في العراق, فلم تتوقف المدرسة من أجله, ولاتعرف الحكومة به أصلا ً لأنه عندهم مجرد رقم من أرقام الضحايا, ولن يعرف أحد أحلامه وآماله إن كانت صغيرة أم كبيرة, حتى لايعرف أحد أسمه وعنوانه, لكنه ترك في النفوس أثرا ً لايمحى بنظرته التي تعبر عن الدهشة وهم يقطعون جزء من جسده, وكأنهم يقطعون شيئا ً يابسا ً هو ليس بحاجة إليه. لقد أريد لهذا الطفل البريء أن يكون مخفيا ً, لامرئيا ً لوسائل الإعلام ولباقي مؤسسات الدولة والمجتمع, أريد له أن يكون حدثا ً من الماضي كباقي الأحداث التي تمر علينا, ولانعير لها الأهمية لأنها أصبحت عادية, مهما كبرت حجم القيمة المعنوية لما فيها من مشاعر وآلام وأحلام ومسرات تتخفى بين طياتها وتتجلى على وجوه الضحايا أثناء نقلهم إلى المستشفيات. نعم, لقد أريد لهذا الطفل المقطوع الساقين الملطخ الوجه بالدم أن يكون رقما ً فحسب, كي لايذكره المجتمع ليشعر بالألم من أجله, فعندنا من الآلام مايكفي. ولكي لايذكر مؤسسات الدولة بفشلها وخيبتها من عدم حمايته, لأنه سيفرض عليها أن تعيد النظر بخططها وإستراتيجياتها في مكافحة الإرهاب وهي لاتريد ذلك لأن هناك من الفاسدين والمنتفعين من ظاهرة الإرهاب. إذن, ذلك الطفل هو بالتالي رقم من الأرقام التي يمكن أن تعوض برقم آخر, لكنه بالنهاية فضحهم بنظرته الغريبة تلك والتي تترك أثرا ً في قلب وعقل كل من يشاهدها!

 

عماد رسن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق