الأحد، 7 أبريل، 2013

برنامج أكو فد واحد!

      عماد رسن

 أكو فد واحد...مصطلح يستخدمه العراقيون غالبا ً عندما يريدون أن يطلقون نكتة أو مزحة ما في أشاره لشخص مجهول, في نفس الوقت, يستخدم هذا المصطلح كعنوان لبرنامج يبث من على أحدى القنوات الفضائية العراقية ويحضى بعدد كبير من المشاهدين. هدف البرنامج هو لمتعة المشاهد بجعله يضحك على نكات ومزح ومواقف يلقيها مجموعة من الضيوف يتغيرون بين الحين والآخر. لست من المتابعين الدائمين لهذا البرنامج ولكني شاهدت حلقات عديدة منه, لاأخفي عليكم, لقد ضحكت كثيرا ً على كثير من النكات والمواقف الساخرة التي أطلقها بعض الضيوف, ولكن, هذا لايعني بان ليس هناك ملاحظات على البرنامج إبتداءً من شكله وفي المادة التي يطرحها, وليس إنتهاءً بصلاحية تلك المادة ونوعها وملائمتها للفضاء العام الذي يحتوي على ماهو متعارف عليه بين الناس وماهو صح وماهو خطأ عندما يتبادلون الأفكار والآراء لصياغة المعايير في السلوك والتصرف, فوسائل الإعلام هي أحدى أدوات الضبط لهذا الفضاء لذلك يكون مراقبا ً في دول الإستبداد من أجل السيطرة على ميقال فيه.

 

فالمادة التي يطرحها البرنامج هي النكتة والمزحة وهدفها إضحاك المشاهد لتحقيق المتعة. يقول عالم الإجتماع والأنثربولوجيا الأمريكي أيرفان غوفمان في تحليله لسلوك الناس في حياتهم اليومية الاجتماعية بأننا نعيش في مسرح كبير وما نحن إلا عبارة عن ممثلين في هذا المسرح الكبير وهناك دائما ً مانخفيه وما نضمره في سلوكنا اليومي. فعندما نمارس حياتنا اليومية فنحن في الحقيقة نصعد على خشبة المسرح لأنأخذ الدور المرسوم لنا وهناك المشاهدون وهم في الحقيقة ممثلين أخرين يمارسون أدوارهم الإعتيادية. وعندما ينتهي الدور لكل منا نذهب إلى الكواليس لنتهيئ للدور القادم وهكذا. مثلا ً على ذلك نادل المطعم الذي يبدو غاضبا ً في الكواليس وربما يكسر الصحون من عصبيته عندما يتأخر الطعام  ولكن عندما يخطو إلى الصالة حاملا ً الطعام للزبائن يبدو مبتسما ً وفي غاية الوداعة وربما يلاطف الأطفال الجالسين على طاولة الطعام. إذن, يوجد هناك عالمين مختلفين نضمر أحدهما ونظهر الآخر بما يتلائم مع ماهو متعارف لنأدي الدور المناط بنا حيث نلبس أقنعة في ممارسة حياتنا اليومية. أن أي إختلاف أو عدم تناغم أو التداخل بين هذين العالمين يظهر أن هناك خطأ ما فيبدو الأمر مأساويا ً تارة ً أو مفارقة تارة ً أخرى لتولد حينها النكتة. فالنكتة ترصد الفوارق ببين العالمين وتدونها على إنها مفارقات مضحكة لأن الدور لم يكن يؤدى كما يتوقع له. ليس هذا فحسب, فالنكتة تكشف على المسرح مايدور في الكواليس لتظهر ماهو مخفي كوسيلة لكشف العيوب لأجل السخرية, أو العكس, إذ تعيد أنتاج مايدور على المسرح من فعل ولكن هذه المرة في الكواليس لتسخر من اقنعة الناس ومن الأدوار البائسة التي يقومون بها. لهذا السبب نرى أن النكتة من غير أداء جيد لايمكن أن تؤدي وظيفتها وتصبح مجرد حكاية أو قصة أو أحجية فارغة, فالدور الرأيسي للنكتة هو ليس معنى مايقال بل هو الأداء بإعادة أنتاج الأدوار المراد السخرية منها من قبل الملقي أو المؤدي بشكل آخر من أجل كشف الملابسات التي تحدث في أداء تلك الأدوار.

 

إلى الآن لايبدو لدور النكتة إلا كشف الفوارق بين ماهو مخفي وماهو ظاهر في حياة الناس الاجتماعية الإعتيادية في تفاعلهم اليومي, ولكن, للنكتة وظائف أخرى كالسخرية من الواقع ونقده بطريقة لاذعة من خلال التهكم عليه. فهنا أصبحت وظيفة النكتة معيارية وليست وصفية فقط حين تعيد إنتاج الواقع والفوارق بين العالمين الآنفي الذكر بطريقة ما من أجل تغييره. ومثل على ذلك النكتة السياسية التي سببت وتسبب أرق للسلطات الحاكمة, ويكفي لذلك ذكر أن نكتة واحدة كفيلة لترسل ملقيها لحبل المشنقة في زمن النظام السابق في العراق, وأيضا ً مايفعله باسم يوسف هذه الأيام في نقد الرئيس مرسي في برنامجه البرنامج الذي أثر على الأوساط الثقافية والشعبية والسياسية, ليس في مصر وحدها بل في دول كثيرة. فالنكتة أصبحت مظاهرة بحد ذاتها من أجل تغيير الواقع وليس للضحك والتهكم فقط.  

 

أعود لبرنامج أكو فد واحد. نعم, يمكن أن تتحقق المتعة المصبو إليها في هذا البرنامج في لحظة معينة لكنها تأتي على حساب أشياء كثيرة, كالسخرية من الآخرين في العرق واللون والطبقة والمنطقة من غير الأخذ بنظر الإعتبار مشاعر فئة معينة من الناس. ففي أحيان كثيرة يتندر بعض الضيوف على قومية معينة أو طبقة أو منطقة معينة من أجل السخرية لتحقيق المتعة. فلايمكن للنكتة أن تؤدي دورها مالم يتم وضعها في سياقها الطبيعي وهنا يفقد الملقي التحكم بمشاعره فيما يقال وما لايقال. ولم يتعد البرنامج الحالة الوصفية التي ذكرتها سابقا ً إذ لايمت لأي شكل من أشكال النقد للواقع من أجل تغييره, وللأمانة لم يكن هدف البرنامج أصلا ً تغيير الواقع إذ هو للمتعة فقط, ولكن, ليس من أجل المتعة نقوم  بإختزال النكتة في أطر ضيقة هدفها الضحك فقط. فالشعب العراقي معروف بمداولته النكته للسخرية من الواقع وقد عرفها في الألف الثاني قبل الميلاد عندما كان السومريون يسخرون ممن يخرج الريح ويتناولنه بالسخرية. فالنكتة كانت إحدى أسلحة الشعب العراقي في مواجهته للظلم ومازال يستخدمها يوميا ً من أجل تغيير واقعه المرير. أما تقديم النكات بهذا الشكل للضحك فقط وبإختيار ضيوف من طبقة ومناطق محددة وجمهور يصفق خلف الضيوف, بعد كل فاصل بأغان شعبيه من لون واحد, حيث يسطع عليهم لون الاستوديو الأزرق وكأنهم أشباح يتطايرون مع كل نغمة للرقص فهذا شكل بائس فعلا ً.

 

هذا كان مايتعلق بشكل البرنامج, أما ملائمة مادته مع مايقدم في الفضاء العام فتلك كارثة كبيرة. نعم, نؤمن بالحرية في التعبير التي هي رديف للديمقراطية, ولكن بعض الديمقراطية تؤدي للفوضى على حد قول والدي رحمه الله. إذ يتندر علينا الضيوف بنكات فيها من السب والشتم, وفيها من السخرية من جنس أو نوع أو قومية أو منطقة بما لايتلائم أن يطرح على وسائل الإعلام. فلوسائل الإعلام وظيفة معينة أخلاقية في جوهرها إذ لاتنسجم مع تقليل شأن بعض الناس كالسخرية من المنغولي او الأعمى. نعم, يمكن لذلك أن يحدث بصورة طبيعية في الشارع ولكن أن يظهر على شاشة التلفزيون فهذا يعطيه شرعية معينة ويمرر الكثير من القيم الخاطئة على إنها صحيحة ومتعارف عليها ويمكن تداولها بين الناس.

 

لست ضد برنامج أكو فد واحد, ولكن على القائمين على هذا البرنامج أن يعيدوا النظر فيه وفي محتواه وشكله وربما حتى هدفه بأن يكون مادة دسمة لتغير الواقع من خلال إعادة إنتاجه بالسخرية منه والتهكم على أبطاله المفترضين, إذ تصبح وظيفة البرنامج هي نقد الواقع وليس للمتعة فقط. على القائمين على البرنامج مشاركة أكبر عدد من فئات عمرية مختلفة ومن ضيوف من مناطق ولهجات مختلفة كي لايحسب البرنامج على فئة معينة من الناس, وأخيرا ً وليس آخرا ً, عليهم إعادة النظر بمكان الجمهور بوضعهم أمام الضيوف وليس خلفهم, أي عدم تجاهلهم!

 

عماد رسن
https://www.facebook.com/imad.rasan

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق