الجمعة، 22 فبراير، 2013

راعي 8 شباط الاسود وراعي 9 نيسان هو نفس راعي البقر


ان قراءة متزنة وهادئة وحيادية لاحداث العراق منذ نجاح ثورة 14 تموز" 1958"  لحين نجاح انقلاب الثامن من شباط الاسود "1963"  تثبت لمتابعي احداثها وما جرى خلال تلك السنوات القصيرة لكنها الطويلة جدا من عمر العراق لما ستترشح عنه من احداث لاحقا، ان نظام ثورة تموز قد حمل منذ اليوم الاول للسلطة بذور انهياره المفجع والذي اوصل العراق لما عليه اليوم من تناحر بين مكوناته الطائفية والقومية. تلك التي تسير اليوم كي تطوي بصراعاتها هذه الطريق سريعا الى اعلان نهاية العراق كدولة وتشييعه الى مثواه الاخير، بعد ان رهنت القيادات الطائفية مصير البلد نتيجة ضيق افقها وتبعيتها الى اجندة خارجية اقليمية ودولية، اضافة الى الضعف الكبير للاحزاب والشخصيات الديموقراطية والليبرالية التي ضاعت اصواتها بين صرخات الموت العالية للطائفيين نتيجة عدم قراءتهم الصحيحة لما ستؤول اليه الامور منذ اشتراكهم في العملية السياسية لليوم.

 

لقد نجحت ثورة تموز بتوجيه ضربة كبيرة جدا للرجعية المحلية متمثلة بالاقطاع وحلفائهم من رجال الدين حين اصدرت قوانين الاصلاح الزراعي لتنصف الفئات الاكثر تهميشا في المجتمع وهم الفلاحون، والتي نجحت في تحريرهم من نير الاقطاع فيما فشلت في الوقت نفسه بتحريرهم من سطوة العلاقات العشائرية على الرغم من اصدار العديد من القرارات التي تحد من سلطة القبائل وزعمائها وحلفائهم من رجال الدين، الذين وقفوا بكل قوتهم ضد الثورة ورجالاتها المخلصين لوطنهم نتيجة انصاف المرأة العراقية باصدار قانون الاحوال الشخصية. ونتيجة للقرارت الوطنية السريعة للثورة في عمرها القصير كرّست الرجعية العربية ومصر ودول حلف بغداد "السنتو" مع رجعيي الداخل والبعثيين والقيادات الكردية بعد اندلاع القتال بينهم وبين الحكومة المركزية، كل امكانياتهم بالتعاون مع القوى الغربية التي تم اضعافها بشكل كبير في اكثر المناطق اهمية لها في العالم حيث منابع الطاقة من اجل اسقاط تجربة تموز . ويبقى القرار رقم 80 لسنة 1961 الذي استعاد العراق بموجبه معظم اراضيه غير المستثمرة من قبل شركات النفط الغربية والمقدرة بنحو 95% من مساحة العراق، هو المنعطف الاهم والاكبر التي ستقود من خلالها الولايات المتحدة الامريكية جميع الفئات المتضررة من نجاح الثورة وترعاهم لحين انضاج الظروف الموضوعية المناسبة للاجهاز عليها، ونجحت فعلا بعد عدد من المحاولات في ايصال البعثيين والمتعاونين معهم الى الحكم بقطار امريكي صبيحة الثامن من شباط الاسود 1963  وهذا ما اشار اليه السياسي البعثي علي صالح السعدي.

 

ويبدو من تسلسل الاحداث منذ ذلك اليوم المشؤوم ان سيناريو ما يجري في العراق اليوم ليس وليد الصدفة قدر ما هو مخطط له من اعلى المستويات في واشنطن، عن طريق ادوات محلية واقليمية لتغيير الواقع الجيوسياسي في المنطقة عن طريق اضعاف وتهميش والغاء العراق كدولة آخر المطاف. فالوصول الثاني للبعثيين الى الحكم في تموز 1968 جاء لاستكمال ما عجزوا عن تنفيذه في انقلابهم الاول، معمقَين الخلاف الطائفي من خلال حزبهم اولا بعد ان اصبح البعث حزبا سنيا من حيث قياداته الفاعلة بعد ان انطبعت السمات السنية والتكريتية عليه كما يقول حنا بطاطو، ومن خلال تهميشهم وقمعهم للمكونات العراقية الاخرى كالشيعة والكرد وغيرهم من ابناء شعبنا ثانيا. ويبدو ان القطار الامريكي الذي جاء العراق في شباط 1963 كان يسير بخطى حثيثة للوصول الى محطته التاريخية الثانية بركاب جدد بعد انتهاء دور ركاب القاطرة الاولى واستهلاكهم - بعد ان نفذوا ما هو مطلوب منهم - بوصول قطارهم بشعاراته القومية الى محطته الاخيرة في التاسع من نيسان 2003 .

 

وبعد ان اتم ركاب القطار الاول ما عليهم من ادوار، انطلق القطار الامريكي الثاني في التاسع من نيسان 2003  ,وهو يعي جيدا درس قانون رقم 80 الذي وأد ثورة تموز وقتل خيرة قادتها فتراه - وهو جزء من اتفاق مسبق على ما يبدو- يمنح الامريكان كل ما يحتاجونه لنهب الثروة النفطية والتنقيب عنها في جميع  اراضي العراق،  حاملا " القطار" مشروعين متناقضين في الوقت نفسه، اولهما المشروع الديموقراطي الذي فشلوا لليوم في تسويقه خلافا لوعودهم بتحويل العراق الى نموذج يحتذى به  في المنطقة !! وهو المشروع العلني الذي روّج له الامريكان حتى قبل انطلاق القطار، والثاني -غير العلني مثلما يتخيلون -  هو مشروع تقسيم العراق عن طريق ركاب القطار هذا بتبني الطائفية والقومية كنهج للحكم، على الرغم من تقاطع المشروعين مع بعضهما البعض. وبعد فشل المشروع الاول منذ لحظاته الاولى كشفت الولايات المتحدة ومن يأتمر بأمرتها من ساسة العراق عن الوجهة الحقيقية لقطار نيسان 2003 ، وهو السير بسرعة لم يكن يتوقعوها حتى انفسهم بقطارهم هذا الى محطته الاخيرة. واذا كانت محطة قطار شباط الاخيرة بغداد في ظل حكم ديكتاتوري شرس، فان القطار الثاني سيصل الى محطاته الاخيرة عن طريق ثلاث سكك لا تنتهي ببغداد، بعد  ان تملأ الدماء ارض العراق ويصل صراخ ابناءه الى عنان السماء.

 

 

لقد علمنّا الانكليز المشي نحو الموت اما اليانكي فانهم علمونّا الركض نحوه.

 

زكي رضا

الدنمارك

10/2/2013

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق