الأحد، 13 يناير، 2013

تظاهرات مشروعة بوسائل غير مشروعة


زكي رضا
منذ ان بدأ السيد نوري المالكي وباقي اطراف الازمة السياسية التي تعصف بالبلد وكمقدمة لحسم نتائج انتخابات مجالس المحافظات والبرلمانية التي قد تتزامن معها مبكرا، صراعهم الذي بدأ بقضية الهاشمي لتنتهي مؤقتا بقضية العيساوي. استغلت الاطراف السياسية المشاركة في الحكومة والبرلمان والتي تمثل رأس حربة الازمات والفساد وما يهدد الوطن من مخاطر جدية، التعصب الطائفي لتعزف عليه بعد فشلها طيلة السنوات العشر الماضية النغم النشاز والقبيح وهو التهديد بالصراع الطائفي بعد ان وفر له الطرفان كل الوسائل المتاحة والامكانيات المتوفرة في حشد اكبر عدد ممكن من "الجماهير" التي خرجت تتظاهر في حواضنها الطائفية مهددة السلم الاهلي والوطن لاخطار كبيرة. علما ان نفس "الجماهير" هذه لم تخرج ولو بالعشرات للاعتراض على غرق بغداد وبعض المدن الاخرى او للمطالبة بتوفير الخدمات والعيش على الاقل بآدمية في ظل دولة وصلت ميزانياتها منذ الاحتلال لليوم لارقام فلكية.

والملاحظ ان التظاهرات الاخيرة بدأت وكأنها رد فعل على اعتقال حماية وزير المالية "العيساوي" الذي تذكر اليوم فقط طائفية المالكي ودكتاتوريته بعد ان كان صامتا كصمت ابي الهول طيلة فترة توزيره متجاوزا كل مفاسد الحكومة وكيف لا يتجاوزها وهو جزء من حالة فساد تضرب باطنابها كل مفاصل البلد، كما انه لم يستوزر الا على اساس طائفي حاله حال زملائه في كابينة الاخوة الاعداء بقيادة المالكي. ولكن ما رافق هذه التظاهرات من ممارسات لا تمت بصلة الى ما يطلق عليه بحرية الاجتماع والتظاهر لتهديدها عصب الحياة للبلد وانتقالها كعدوى الى مدن وبلدات اخرى ذات طيف طائفي واحد، وتدخل دول ومنظمات على عداء تام مع شعبنا وتجربته الديموقراطية على علاتها لتسييرها واستغلالها للتدخل بالشأن الداخلي "الذي لم تكف عنه يوما"، يجعلنا نتوقف عندها خصوصا وان الطرف الطائفي الاخر حشد كل امكانياته للقيام بتظاهرات طائفية في بلدات ومدن ومناطق ذات طيف مذهبي واحد ايضا.

ان التظاهرات التي بدأت في مسقط رأس العيساوي "الانبار" تشعبت مطالبها منها ما هو مقبول وقابل للتحقيق بوجود ارادة سياسية حقيقية تهدف الى نزع فتيل الازمات والتي نفتقدها في عراق اليوم للاسف الشديد، ومن هذه المطالب اطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين دون اوامر قضائية وانهاء حالات الاقصاء والتهميش التي يتعرض له سنة العراق وتحريم استخدام الشعارات الطائفية في دوائر الدولة وتحقيق التوازن في مؤسساتها المختلفة وغيرها. والبعض الاخر من المستحيل تحقيقها لانها تعتبر انتحارا سياسيا ليس للمالكي فقط بل لكل من يعمل على تنفيذها ومنها تعليق العمل بالمادة
4 أرهاب وايقاف جميع القضايا المتعلقة به لحين الغاءه، اي اطلاق سراح جميع الذين تلطخت اياديهم بدماء الابرياء من ابناء شعبنا على الرغم من استمراره "الارهاب" وفشل الحكومة في انهائه !! وايقاف العمل بقانون المساءلة والعدالة "اجتثاث البعث" اي عودة البعثيين الى الحياة السياسية على الرغم من الويلات التي مرت على العراق اثناء حكمهم الكارثي، علما ان عودة البعثيين الذين لم تتلطخ اياديهم بدماء ابناء شعبنا يعتبر امرا مقبولا وقد قامت السلطات العراقية باعادة الالاف منهم لليوم وفيهم الكثير من الذين انتموا الى الاحزاب الدينية الطائفية نفسها وخصوصا من العسكريين.

دعونا نتساءل الان، هل التظاهر حق كفله الدستور؟ الجواب نعم، وهل الحكومة تسمح بالتظاهر دون موافقات حكومية من وزارة الداخلية؟ الجواب لا، وهل القوى الطائفية الشيعية اوالسنية وهي تتظاهر لتأييد الحكومة او"المعارضة" تحصل على موافقات رسمية؟ الجواب لا. اذن من يُخرج هذه التظاهرات ويكتب لها هذا السيناريو الكارثي والذي لا يصب في مصلحة الناس قدر ما يصب بمصلحة الساسة الطائفيين واحزابهم؟ انهم المتحاصصون انفسهم لاننا على ابواب استحقاق انتخابي ولصرف نظر الجماهير عن فشل الحكومة بكل اطيافها في تحقيق الحد الادنى مما يحتاجه المواطن من خدمات.

ان الوسائل غير المشروعة التي يعتمد عليها الطائفيون من الطرفين لاتستخدم سوى اسلوب الشحن الطائفي على الرغم من مخاطره الجسيمة والتي ان لم يعملوا على لجمها اليوم قبل الغد - وهم غير فاعلون- فان نارها ستلتهم ما تبقى من نسيج اجتماعي رث، معرضة ليس العملية السياسية التي فشلت لليوم الى الخطر بل والوطن الى التقسيم وهذا ما اشار اليه السيد المالكي اخيرا. ومن هذه الاساليب استخدام العشائر التي عادة ما تبدل ولاءاتها للذي يدفع لها اكثر، وتوظيف المؤسسة الدينية التي عليها ان تنأى بنفسها عن هذا الصراع السياسي مهما كانت دوافعه، واللجوء الى دول الجوار والدول الاقليمية لتنفيذ اجنداتها الخطرة والتي تستهدف اضعاف العراق وبقاءه اسيرا لسياساتها في لعبة اكثر من قذرة سيدفع ودفع بسببها شعبنا الكثير من الدماء.

واذا كانت "المعارضة" اي "السنة" استخدمت اساليب غير مشروعة في تظاهراتها، فهل استخدمت دولة القانون وحلفائها والمالكي "الشيعة" اساليب مشروعة في تظاهراتها ردا على تظاهرات "السنة"؟ وهل يحق لرئيس وزراء يمثل الدولة باكملها الانجرار الى هذا الفخ والمستنقع الطائفي اذا لم تكن لديه النية المسبقة للتلوث باردانها؟ وان لم تكن لديه سواء عن قصد او دون قصد وعن ارادة او دون ارادة النية لتصعيد المواقف ضد شركاءه في العملية السياسية فعلام هذا الشحن الطائفي باخراج مظاهرات "موالاة" مليونية وحتى دون اخذ الموافقات الاصولية من قبل السلطات الاتحادية او الحكومات المحلية، كتلك التظاهرة المليونية التي هدد الزرفي بها تأييدا "لرجل المرحلة" نوري المالكي حسب وصفه والتي ستنطلق بمناسبة وفاة النبي محمد يوم الجمعة القادم من ساحة الميدان في مدينة النجف متوجهة الى ساحة العشرين فيها، وهل يستطيع السيد المالكي او الزرفي من اقناع اتباعهما من الابتعاد عن ترديد الشعارات الطائفية علما ان التظاهرة طائفية كتظاهرات المدن الغربية. وهل حصل المتظاهرون على موافقة السلطات المعنية للتظاهر؟

العراق اليوم لايحتاج الى رجل مرحلة غير متفق عليه بل الى رجل مطافيء (انقاذ) قادر على اطفاء النار الطائفية وهذا ما لاتمتلكه القوى والاحزاب الطائفية من الطرفين.


الدنمارك

8/1/2013

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق