الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

عشنا وشفنا


 
بشرى الهلالي

الجمعة، 19 تشرين الأول، 2012

يقال أن لحالات الطوارئ التي تلي الحروب قوانينها التي تفرض على بعض او كل مرافق البلد لفترة معينة قد تستمر أشهراً وربما بضع سنين، ثم تنتفي الحاجة لهذه القوانين فور استقرار وضع البلد ولو بشكل جزئي (المقصود هو بلدنا)، ريثما يتم وضع قوانين جديدة من قبل الحكومة الجديدة. ومن فضل الله اننا سندخل السنة العاشرة، اي سنتجاوز سن الطفولة لدخول عالم المراهقة (والله يستر)، فإذا اعتمدنا مقارنة كهذه، فاننا بحاجة الى ثماني سنوات أخرى لبلوغ سن الرشد او (ظهور سن العقل). وإذا افترضنا ان السنوات التسع السابقة كانت ملاعب طفولة، ألم يكن من الأفضل عدم العبث بالقرارات والقوانين فيها فيختلط الحابل بالنابل، ويغبن حق المتميز بينما ينال الفاشل أحسن الجزاء، ويتميز المزور والكاذب بينما يسلب حق (الماشي بدربه وماعنده ظهر).

وفي ظل فوضى القوانين والقرارات (الغريبة) ضرب العراق رقما قياسيا في اقراره للدور الثالث (وليس في صعوده للدور الثالث). ففي كل الانظمة التعليمية في بلدان العالم المتقدم والمتخلف، الاول والثاني والثالث، لم يتم خضوع الطلبة لإمتحانات دور ثالث بعد رسوبهم في امتحانات الدور الثاني. كانت ظروف الحرب بعد 2003 سببا وجيها لمساعدة العديد من الطلبة الذين ضاعت عليهم فرص اداء الامتحانات، وتكررت الحالة في سنوات الحرب الطائفية، وكان فيها (وجهة نظر) كما يقال، لكن ما الذي يدفع الى الاستمرار بالعمل بقرار كهذا بعد ان استقرت العملية التعليمية وحتى الوضع الامني صار (مؤدبا) ولم يعد يشكل عائقا امام الطلبة ولا الاساتذة؟ إذا كان يمكن ايجاد العذر لطلبة الجامعات او لوجود رغبة في مساعدة الشباب على النجاح بتوفير فرصة (ثالثة) وإن لم يستحقها بعضهم، فكيف يمكن اجراء دور ثالث للمراحل المنتهية لطلبة الاعدادية والمتوسطة؟

 يقول الاخوة المصريين (عشنا وشفنا)، فبأي حق يتمتع طالب البكالوريا بثلاث فرص للحصول على معدل لدخول الجامعة بينما يكتفي البعض بفرصة واحدة؟

 ...كلما قلبت صفحات الصحف، شاهدت اخبارا عن دعوات لرفع مستوى التعليم في البلد وتجاوز هفوات الماضي، فهل سيرفع التعليم أم (يكبس) بتشجيع الطلبة على تكرار الرسوب واهمال دراستهم حين يعلمون ان بانتظارهم دورا ثالثا، ناهيك عن نظام العبور والتحميل الذي وفر فرصة مثالية لطالب الجامعة ان يصل الى المرحلة الرابعة وهو محمل بدرس او اكثر من المرحلة الاولى ، وربما غيرهما في الثانية والثالثة حتى يصبح الاساتذة مجبرين على اعطائه علامات النجاح لانه (خطية). واضافة الى الدعوات (الجادة) برفع مستوى التعليم، (ترفّ) القرارات يوميا من الوزارات المعنية بالعملية التعليمية مؤكدة على بداية الفصل الدراسي بموعده، (والحمد لله ضاع منه شهر بفضل الدور الثالث)، وأيضا ضرورة اكمال المنهج (وهذا مستحيل الا اذا استبدل المنهج بكتاب الحياتية للمرحلة الابتدائية) فأي منهج يمكن اكماله باربعة اسابيع، اي في الشهر المتبقي بعد عطلة العيد؟، كما يصر المعنيون على ضرورة (التشديد) في تصحيح الدفاتر والعمل كلجان لضمان عدم نجاح طالب بـ(الكوترا)، بينما تتسرب بين لحظة واخرى تعليمات شفوية (مشّوهم، ادفعوهم حتى لو كاتبين سطر)، ناهيك عن التصحيح السري الذي يتم في الغرف المغلقة للطلبة (المتميزين من اصحاب الواسطات).

 ..رحم الله استاذي الذي كان يصر على ان احدى الزميلات كانت غير مؤهلة للحصول على الشهادة، وبعد ان تكرر رسوبها، ذهبت اليه تبكي وتشكو ظروف حياتها القاسية، وكان الاستاذ مقبلا على اكمال معاملة تقاعده فقال لها امامنا: سأعطيك علامة نجاح وأنا اعلم انني ارتكب اول جريمة بحق التعليم في حياتي وعلى مدى خمسة واربعين عاما هي مدة خدمتي في هذا المجال، لكني اريد ان يكون هذا آخر عمل خير لي. ثم التفت الينا وقال: أعلم ان عمل الخير هذا سيجلب لي مزيدا من الشتائم واللعنة فقد ساهمت في خراب الاجيال والبلد من خلال زرع انسان فاشل.

 رحمك الله ثانية يا استاذ، كانت فاشلة واحدة قد تتسبب في اتلاف عقول بضعة عشرات، فما بالك بآلاف الاجيال التي ينتظر منها ان تبني بلدا يتعكز على كل انواع الفشل.

كتابات/ جريدة الناس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق