الاثنين، 7 فبراير، 2011

برلمان وإذاعة وجريدة بميدان التحرير..التغيير صناعة شبابية

1= برلمان وإذاعة وجريدة بميدان التحرير..التغيير صناعة شبابية!
علياء ماضي
القاهرة- بعد أن ابتعد المتظاهرون في ميدان التحرير عن شاشات التلفاز وبدت الصحف والمجلات متأخرة عن أحداث الميدان وبعد أن طالت أيامهم فيه لتصل الجمعة 4-2-2011 إلى 11 يوما، رأت مجموعات منهم أن تصبح لديهم إذاعة وبرلمان شعبي وجريدة يومية!.
ومنذ المسيرة المليونية الأولى التي دعا إليها الشباب في ميدان التحرير الثلاثاء الماضي، نصبت سماعات ومبكرات صوت عملاقة في ساحة الميدان، وأمسك فتى بمكبر الصوت قائلا: "هنا إذاعة الميدان"، ليبدأ برنامجهم اليومي ما بين أغان وطنية وخطب سياسية.
وبين فترة وأخرى، تبث الإذاعة – عبر مكبر الصوت - أغان وطنية، مثل النشيد الوطني لمصر، لتزيد من حماسة المتواجدين في الميدان والذين ازدادت أعدادهم الجمعة 4-2-2011 لتصل إلى أكثر من مليون شخص.
فجأة يصدح الميكروفون بصوت المغني المصري عبد الحليم حافظ، وهو يشدو "احلف بسماها وبترابها.. احلف احلف بدروبها وأبوابها أحلف بالقمح وبالمصنع أحلف بالمدنة وبالمدفع.. بأولادي بأيامي الجاية ما تغيب الشمس العربية غير طول ما أنا عايش فوق الدنيا"، لتثير عاصفة من التصفيق بين الموجودين.
ثم يصعد شاعر مغمور، ليقول نثرا عن التظاهرات، وما أن بدأ التحدث والقول بأن هناك عدة فرق في الميدان، إلا وتعالى صوت الموجودين لينزلوه من المنصة ويقولوا: "كلنا واحد.. لا يوجد بيننا فرق".  
بعد وصلة غناء أخرى، يصعد المنصة أحد الشباب غير المعروفين ليعرض أفكاره ويتم مناقشته فيها، مثل لجنة للحكماء يتفقوا عليها ويصوتون على الأسماء، أو حلولا أو حتى قضية ما يتفقون عليها.
وهكذا تحولت "إذاعة الميدان" إلى منصة برلمانية شعبية يعرض فيها كل الأطراف السياسية والقوى الوطنية برامجهم ورؤاهم، فتجد الإخواني واليساري والليبرالي ومن ليس له أي توجه سياسي، وغير معروف حتى بين الشباب، كل يعرض     ما لديه من مواقف في جو من الحرية المطلقة في التعبير عن الرأي، لا يشوبه سوى مقاطعة بعض المتظاهرين المتحمسين أحيانا لمتحدث لم يرق له حديثه، ومطالبته بالنزول من المنصة!.
"ليست ديكتاتورية بل هي حماسة ثورية يمكن تفهمها في هذه الظروف"..يقول أحد المنظمين باسما.
وأحيانا أخرى، تتحول إذاعة الميدان لتصبح منبرا لقوات الجيش المرابطة على مداخل الميدان فتارة تجد أحد الظباط يطلب الحديث لتوجيه بعض التعليمات أو تقديم بعض الإيضاحات بشأن موقف الجيش من الاعتداءات التي تعرض لها المتظاهرون في اليومين الماضيين.
"جريدة الثورة" نفذت!
كنت واقفة في ميدان التحرير وبعد صلاة الجمعة، حين ظهر أحد الشباب عند مدخل الميدان من ناحية شارع طلعت حرب، وفجأة تزاحم الناس عليه، وكل انصرف بعد ذلك بجريدة من ورقة واحدة في يده، ذهبت مسرعة لأجد النسخ وقد نفذت.
أخذت نسخة من أحد الشباب لأرى أنها "جريدة الثورة" في عددها الثالث، ورئيس مجلس إدراتها هو محمد مصطفى شردي، الكاتب الصحفي بجريدة  حزب الوفد المعارض، ورئيس تحريرها أحد الشباب وهو شريف عارف، وكان عنوانها الرئيسي "حاكموا القتلة".
الجريدة من ورقة واحدة لا كتابة فيها إلا القليل.. الصور هي سيدة الموقف.. صور اليوم الجمعة كانت من اشتباكات الأربعاء الدامية، التي أسفرت عن مقتل 5 أشخاص وأكثر من 800 جريح.
في أيام قليلة إذن، أصبح ميدان التحرير، المركز الرئيسي للحركة الشعبية الثورية، يملك إذاعة وجريدة وبرلمان!. إنه إيقاع الشباب السريع الذي لا يعرف الروتين الحكومي المصري الشهير ولا التردد أو التباطؤ في اتخاذ القرارات كما اعتاد من حكامه في العقود الثلاثة الأخيرة!.
2= دولة ميدان  التحرير
علمت شبكة "أون إسلام" أن عددا كبيرا من الشباب المتظاهرين توافقوا فيما بينهم  على تشكيل أول لجنة قيادية شبابية تعرف باسم "تحالف الثورة الشبابية"  لكي تمثلهم وتحمل مطالبهم أمام كافة الأطراف المعنية بالأزمة المصرية.
وتضم اللجنة 10 من القيادات الشبابية التي تمثل: حركة 6 إبريل، حركة التجديد الاشتراكي، حرب الجبهة الوطنية، الحملة الشعبية للتغيير، بالإضافة إلى مستقلين  ونقابيين وناشطين على الإنترنت.
ويعد هذا أول مسعى عملي من الشباب المتظاهرين لتشكيل لجنة تمثلهم وتحمل مطالبهم.
ومن بين هذه القيادات الشبابية: خالد سيد، خالد عبد الحميد، محمد عباس، محمد القصاص، ويجمع بين هؤلاء تقريبا نشاطهم السياسي الواسع على شبكة الإنترنت.
واتفقت هذه اللجنة القيادية الشبابية على تشكيل لجنة أخرى من أصحاب الخبراء تضم 20 شخصية من أبرزهم، المفكر المستشار طارق البشري والمفكر محمد سليم العوا، وأبو العز الحريري (يسار) وحمدين صباحي (ناصري) وشاهنده مقلد، وسكينة فؤاد (كاتبة) وكمال أبو عيطة ( قيادي نقابي) وعبد المنعم أبو الفتوح (إخوان مسلمون) ومحمد البلتاجي (إخوان) وقيادات معارضة مثل أيمن نور ومحمد البرادعي.
وطالبت اللجنة الشبابية من لجنة أصحاب الخبراء وكل من يجري حوارات مع السلطة أن ينقل مطالبهم.
ويعلق المتظاهرون في ميدان التحرير في قلب القاهرة قائمة ثابتة لم تتغير بمطالبهم وفي مقدمتها: تنحي الرئيس حسني مبارك، وإلغاء قانون الطوارئء، وحل مجلسي البرلمان، ومحاربة الفساد وملاحقة الفاسدين ومعاقبتهم وتحقيق العدالة الاجتماعية

3= المجد لمن قالت لا"..أمهات مصر يصنعن التغيير
128268
دعاء الشامي
لم تدرك هند (33 سنة) قبل يوم 25 يناير 2011 أنها قادرة على فعل أشياء مختلفة غير تلك التى تقوم بها بشكل يومى من غسيل للملابس وإعداد طعام صغيرتها والذهاب لعملها بشكل يومى، غير أنها لعبت دورا قويا منذ بداية الاتفاق على يوم 25 يناير، وكذلك في التنسيق لجمعة الغضب في 28 من الشهر نفسه؛ سواء من خلال الإنترنت أو التليفون، حيث تولت إقناع كثير من أصدقائها وصديقاتها بضرورة المشاركة.. جاء اليوم المنتظر ووصل الجميع لمكان التجمع المتفق عليه حيث اتخذوا من أحد مقاهى جامعة الدول العربية نقطة التقائهم وانطلاقهم نحو فجر جديد.
وقود الثورة
لكونها مطلقة وسيدة ولديها طفلة ربما يكون ما فعلته مستغربا ولكنها لم تعبأ بكل هذا وقررت أن تشارك فى يوم الغضب وتترك ابنتها مع والدتها، لم تكن وحدها من فعلت ذلك ولكن صديقتها سمية متزوجة ولديها طفلة تركتها لدى أم زوجها وانضمت للمتظاهرين هى وزوجها وأخيه.
بدأت المظاهرات من منطقة جامعة الدول العربية وسط حشود كبيرة من الشباب والفتيات كانت كل من هند وسمية وصديقات وأصدقاء لهن هناك، الجميع يهتف بقوة فلازال اليوم فى بدايته والحناجر لم تتعب بعد ولا الأقدام كلت من السير والركض والقفز أحيانا، فالركض كان حلا سحريا للمتظاهرين فى أحيان كثيرة لتفويت أى فرصة على الأمن فى تطويقهم أو منعهم من الالتحام بالآخرين، مرقوا جميعا كالأشباح من شارع البطل أحمد عبد العزيز وانطلقوا نحو الدقى ومنها إلى كوبرى الجلاء ثم كوبرى قصر النيل وأخيرا فى ميدان التحرير.
فى المظاهرة وجدت سمية (27 سنة) سيدات تخطين الأربعين من عمرهن يمشين بحماس من الجيزة للتحرير، يجلسن على الرصيف، يتبادلن الدعوات والابتسامات مع الشباب والفتيات.
وهناك أيضا وجدت أمهات فقيرات يجرجرن أرجلهن من فرط التعب والإرهاق والمرض ويرفعن أصواتهن بأن كل ما فى مصر باطل، وعلى وجوههن تجاعيد تحكى ما فعلته بهن الحكومة والأيام.
أتظاهر من أجل ابنتي
"شعرت وكأننى فتاة صغيرة تهتف فى مظاهرات الجامعة".. هكذا عبرت سمية عن مشاعرها وقت المظاهرة، فى هذه الساعات التى قضتها فى الشارع مع أخريات من فتيات وسيدات وشباب تحررت من كل ضغوطها الاجتماعية والإنسانية وفكرت فقط فى الثورة تلك الكلمة السحرية التى جعلتها تترك ابنتها وعملها وتقضى ساعاتها بين طلقات غازات مسيلة للدموع وطلقات مطاطية، تجلس على أرض ميدان التحرير وتحصل على سندوتش فول من شاب تطوع بشرائه للمتظاهرين وزجاجة مياة ناولتها إياها فتاة جميلة تبدو فى الثامنة عشرة على الأكثر كانت تجوب الميدان تبحث عن عطشى.
"أنا هنا من أجل مستقبل ابنتى، ولو قتلونى ونجحت الثورة أكون قد ضمنت لها مستقبلها دون قلق" هكذا ردت سمية على صديقتها التى هاتفتها ووبختها على اشتراكها فى المظاهرة وهى أم لفتاة صغيرة ربما تصير يتيمة لتهور والدتها وتقصيرها، لم تهتز شعرة من رأس سمية ولا شعرت بالتقصير التى اتهمتها صديقتها به واكتفت بالرد السابق.
أسرتنا فى ميدان التحرير
سمية وزوجها شاركا فى اليوم برغم أنهما لا ينتميان لأى تيار سياسى أو دينى مجرد زوج وزوجة من الطبقة المتوسطة وبرغم أن لدى كل منهما عملا ويمتلكان سيارة ويعيشان فى مستوى جيد فإنهما يبرران اشتراكهما قائلين: "مصر تستحق أن تصبح أفضل، وهذا ليس دور الفقراء فقط بل دور الجميع".
برغم وجودهما فى المكان ذاته "ميدان التحرير" فإنهما لم يكونا معا طوال اليوم فهو يهتف ويجرى ويقابل أصدقاء مرت سنوات دون أن يلقاهم، وهى لا تتشبث به كما تفعل دوما، هتفت وجلست تستريح فوجدت بعض الفتيات والشباب يرددون أغنية الشيخ إمام "مصر يا أمه يا بهية" فانضمت إليهم.
قبل منتصف الليل وجدت زوجها مع أصدقائه فجلست بجواره واتخذ من ركبتيها مقرا لرأسه ونام متلحفا ببطانية حصلت عليها من لجنة إعاشة المظاهرة وأسندت ظهرها لشجرة ووضعت يديها على رأسه وأراحت نفسها قليلا بعد 12 ساعة من الهتاف والركض.. وبعد أقل من نصف الساعة استيقظا على أصوات مفزعة تطلقها عربات مصفحة وهى القنابل المسيلة للدموع فأخذت تجرى فى الشوارع واختفى زوجها وبالصدفة وجدت زوج صديقتها فجرت معه وذهبا لمنزل أم زوجته التى استضافتهم فى منزلها حتى ظهر اليوم التالى.
ضيوف ليلة الثورة
باتت سمية ليلتها خارج منزلها هى و6 سيدات أخريات، بعد فشلهن فى الوصول لمنازلهم.. استقبلتهم أم صديقة مشتركة، وبقين جميعا فى غرفة واحدة "كانت أكثر الليالى تميزا ودفئا فى حياتى" حسب ما قالت سمر إحدى الفتيات اللاتى شاركن سمية اليوم.. جلسن وتبادلن الأخبار واستعرضن أخبار الإنترنت وتفاصيل نشرات الأخبار ومع خيط الصباح الأول افترشن الأرض والبعض الآخر احتملته الأسرة ودار نقاش جديد لم يكن الرجال محوره ولم يكن للأطفال مكان فيه بل كان الحديث الأهم ماذا نفعل غدا؟ وفى الغرفة المجاروة لغرفة السيدات كان أصدقاء الزوج والإخوة جميعهن ضيوفا.
"أنا أمرت أبنائى الثلاثة بالنزول والمشاركة وخاصة أصغرهم الطالب، ونزلت معه حتى اندمج مع المتظاهرين" كان هذا تصرف مدام سلمى"45 سنة" وهى طبيبة، لم تخش على أبنائها من المشاركة بل أمرتهم بها لقناعتها بأن ما يحدث الآن هو فرض عين وليس فرض كفاية ويجب أن يشارك فيه الجميع، لا تنتمى الأم لأى تيار سياسى أو دينى ولكنها مجرد أم مصرية شعرت بأهمية ما يحدث فأبت أن يبقى أبناؤها فى غرفهم فى حين يصنع غيرهم التغيير.
"يا حبيبتى العمر واحد والرب واحد، ولو مكتوب ابنى يموت يبقى يموت فى ميدان مش بمخدرات ولا فى حادث" هكذا ردت سلمى على سيل التليفونات الذى استمر يدق سكون المنزل صباح اليوم التالى من كل أقاربها ومعارفها بعد علمهم بمشاركة أبنائها فى المظاهرة، ومرددة أن هذا واجب كل أم أن تشجع لا أن تحبط.
يوم الجمعة موعدنا
واصلت سمية وهند وباقى الفتيات والسيدات تحفيز الأخريات على الخروج وشهد اليوم التالى خروج صديقات جدد لم يطأن شوارع ثورية من قبل، ذهبت كل منهن لبيتها واطمأنت على فتاتها أو أمها أو إخوتها ونالت قسطا من النوم بعد يومين من السير والركض فى الشارع ولكن ما يشغل بالهن هو ما سيحدث غدا الجمعة؟ أي من المساجد أو الكنائس سيشهد تجمعهم القادم "لازم كل الستات والأمهات ينزلوا يوم الجمعة" رددتها سمية وهى تضع ملابسها وزوجها التى باتت تغطيها رائحة الغازات المسيلة للدموع ومياة سيارات الإطفاء فى غسالة الملابس المجاورة لها وتضغط عليها لتبدأ دورة الغسيل ويبدأ معها نشاط سمية فى البحث عن منضمات جدد ليوم الجمعة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق