الجمعة، 4 فبراير، 2011

سنابل العدد 29 الجزء الثالث

محمود محارب*
المقالات الصهيونية المدسوسة في الصحف اللبنانية والسورية (1936 – 1939)
تكشف هذه المقالة الجهد المتمادي الذي بذلته الوكالة اليهودية في ثلاثينيات القرن العشرين للتأثير في الرأي العام العربي، ولا سيما في لبنان وسورية، ولتوجيهه نحو الاهتمام بمشكلات جانبية تحرف انتباهه عن فلسطين. وتميط هذه المقالة اللثام عن عشرات المقالات التي كتبها موظفون ومسؤولون في الوكالة اليهودية، وجرى نشرها في صحف بيروت ودمشق لقاء مبالغ مالية دُفعت لأصحاب تلك الصحف ورؤساء تحريرها، وبوعي كامل منهم. وقد استند الكاتب في مقالته هذه إلى تقارير جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، وخصوصاً تقارير إلياهو ساسون المحفوظة اليوم في الأرشيف الصهيوني. وتتضمن هذه المقالة أسماء بعض الصحف وبعض الصحافيين ممن ساهموا في نشر تلك المقالات المسمومة.


مقدمة
أولت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، والتي قادت السياسة الصهيونية في اتجاه الأقطار العربية، أهمية كبيرة لرأي النخب العربية، وللرأي العام العربي، وسعت للتأثير فيهما. فالقادة الصهيونيون تنبهوا مبكراً إلى دور الصحافة العربية، وأدركوا أنها تحتل مكانة مهمة في التأثير في الرأي العام في تلك الأقطار، وقد ازداد إدراكهم هذا في إثر ثورة البراق في فلسطين في سنة 1929، إذ غطت الصحافة العربية هذه الثورة، وأوصلت ما يدور من أحداث في فلسطين إلى الرأي العام العربي، وساهمت في بلورته وحشده لمناصرة الشعب العربي الفلسطيني.
وتهدف هذه الدراسة إلى كشف النقاب عن مساعي الدائرة السياسية للوكالة اليهودية من أجل التأثير في مواقف الصحافة العربية، في ثلاثينيات القرن الماضي، من القضية الفلسطينية والصهيونية، وكذلك إلى تسليط الضوء على المقالات الصهيونية المدسوسة، وعلى الأخبار التي زرعتها الوكالة اليهودية في الصحف اللبنانية والسورية في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى خلال الفترة 1936 – 1939. فخلال العامين الأخيرين من هذه الثورة زرع جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية ما لا يقل عن 280 مقالاً مدسوساً في الصحف اللبنانية والسورية، نُشرت إمّا باسم هيئات تحرير تلك الصحف، وإمّا بأسماء عربية مستعارة، وإمّا على شكل تقارير كأنها من مراسلي الصحف، وكل ذلك من أجل إخفاء كاتبها الحقيقي.
استندت هذه الدراسة إلى مصادر أولية وفي مقدمها تقارير مسؤولي جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية، والمحفوظة في الأرشيف الصهيوني المركزي، وخصوصاً تقارير إلياهو ساسون الذي كان مسؤولاً عن نشر هذه المقالات المدسوسة، كما قامت بذكر أسماء الصحف العربية اللبنانية والسورية التي نشرت المقالات المدسوسة، بالإضافة إلى تاريخ نشر تلك المقالات، وكذلك الموضوعات التي طرحتها وعالجتها، وذلك من أجل إتاحة الفرصة أمام القارئ والباحث المختص للعودة إليها إذا أراد التوسع في هذا الموضوع.
إن الوثائق التي اعتمدتها الدراسة، والتي كانت سرية للغاية في حينه، إذ لم يتيسر لجمهور الباحثين الاطلاع عليها إلاّ بعد مرور عقود طويلة، وفرت لنا فرصة مهمة للولوج إلى داخل ذهنية قيادة الوكالة اليهودية في تلك الفترة، كما أنها فتحت الباب للإطلال مباشرة على الأهداف التي سعت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية لتحقيقها، وعلى الوسائل التي اتبعتها، وعلى النقاشات الداخلية التي كانت تجري بين قادتها بشأن أنجع الطرق لتحقيق الأهداف الصهيونية، وعلى مدى الجهود التي بذلتها من أجل تحقيق أهدافها، وعلى كيفية إغوائها كثيراً من الصحافيين وأصحاب الصحف العربية ومحرريها، وغيرهم، للعمل لمصلحتها في لبنان وسورية في تلك الفترة.
وحرصت الدراسة على عرض الموضوعات التي طرحتها وعالجتها المقالات المدسوسة، والتي مثلت بدورها سياسة الوكالة اليهودية تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأُخرى. فمن خلال عرض تلك الموضوعات، يتضح أن الدائرة السياسية للوكالة اليهودية لم تكتف بطرح وجهة النظر الصهيونية ومفهومها وأجندتها، ولا بالعمل على تشويه النضال الوطني الفلسطيني، أو بطرح أجندات بديلة للقضية الفلسطينية فحسب، بل شوهت الحقائق أيضاً، وزرعت أخباراً مختلقة هدفت من ورائها إلى تأسيس رأي عام عربي يقف ضد الحقوق القومية للشعب العربي الفلسطيني، ويتقبل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
علاوة على ذلك، أظهرت الدراسة كيف استعملت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية المقالات المدسوسة في الصحف اللبنانية والسورية لتحقيق أغراض سياسية أُخرى، ففي كثير من الأحيان، أعادت هذه الدائرة نشر المقالات المدسوسة، كاملة أو مختصرة، في "وكالة الشرق"، وفي صحيفة "دافار" العبرية، وفي صحف بريطانية وفرنسية، كما قامت في العديد من الحالات، بإيصالها إلى متخذي القرار في لندن وباريس، كأنها من بنات أفكار محرري صحف عربية يمثلون شريحة مهمة من الرأي العام العربي في لبنان وسورية.
*  *  *
في أعقاب ثورة البراق في فلسطين في سنة 1929، بذل مسؤولو الدائرة السياسية للوكالة اليهودية وجهاز استخباراتها جهوداً مكثفة من أجل التأثير في الصحافة العربية. وفي هذا السياق، زار حاييم كالفارسكي، مسؤول جهاز الاستخبارات في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، بيروت في كانون الثاني/يناير 1930، وقد أفضت زيارته إلى تشكيل لجنة في بيروت مكونة من أربعة ناشطين يهود لبنانيين، وذلك للتنسيق مع جهاز استخبارات الوكالة اليهودية بشأن التأثير في الصحف اللبنانية والسورية لاتخاذ مواقف موالية للصهيونية.(1)  ومنح جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية في الوكالة اليهودية هذه اللجنة 150 جنيهاً فلسطينياً لتمكينها من القيام بمهماتها.(2)  وأشار كالفارسكي في تقرير له إلى أن هذه اللجنة تمكنت من تغيير مواقف بعض الصحف العربية في لبنان مثل صحيفة "الأحوال"، وصحيفتي "لوريان" و"لو – سيري" الصادرتين في بيروت باللغة الفرنسية،(3)  وأنه في أثناء وجوده في بيروت اجتمع بخير الدين الأحدب، محرر صحيفة "العهد الجديد"، والذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء لبنان. وقد أسهب كالفارسكي خلال الاجتماع، في حديثه عن ضرورة "التفاهم بين العرب واليهود"، وطلب من خير الدين الأحدب تقديم المساعدة للوكالة اليهودية بواسطة نشر مقالات موالية للصهيونية في صحيفته، ثم سأله في نهاية الاجتماع عن المبلغ الذي يريده في مقابل خدمته هذه، فأجابه هذا أنه يريد "400 جنيه فلسطيني في السنة، وهو مبلغ اعتقدت أنه مبالغ فيه، ثم اتفقنا على 200 جنيه فلسطيني تدفع بأقساط كل ثلاثة أشهر."(4)
وفي الوقت الذي كان كالفارسكي ينشط خلاله في بيروت، زار دافيد يلين، أحد المسؤولين في جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، القاهرة، ثم تبعه الكولونيل فريدريك كيش رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، وقد التقى كل منهما العديد من المسؤولين في مصر، وكذلك قادة الطائفة اليهودية فيها. ووفقاً لتقرير كيش، حققت زيارتهما النتائج التالية:
أولاً، تنظيم مجموعة من اليهود المصريين للقيام بنشاطات في الصحافة المصرية كي تتخذ مواقف مناصرة للصهيونية؛ ثانياً، مصادرة الحكومة المصرية كراسات مناهضة للصهيونية نشرت في مصر؛ ثالثاً، تنظيم مجموعة من المخبرين للعمل لمصلحة جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية في الوكالة اليهودية.(5)
وشهدت الدائرة السياسية تطوراً ملحوظاً في نشاطها تجاه العرب بعد تولي حاييم أرلوزوروف، أحد أبرز قادة مباي، رئاستها في سنة 1931 عقب استقالة فريدريك كيش، فقد أولى السياسة الصهيونية تجاه الأقطار العربية اهتماماً كبيراً، وسعى لبناء جهاز استخبارات عصري يكون أداة فعالة لدى الدائرة السياسية للوكالة اليهودية لتحقيق أهدافها.(6)  وتوجه أرلوزوروف إلى جيل الشباب، فاستقطب موشيه شرتوك (شاريت)،(7)  وعيّنه سكرتيراً للدائرة السياسية للوكالة اليهودية، ثم استقطب رؤوفين زيسلني (شيلواح)(8)  عندما كان طالباً في قسم الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية بالقدس، وأرسله إلى بغداد، في سنة 1931، لعام واحد، وذلك بهدف التجسس على العراق، كما جند الطالب إلياهو إبشتاين (إيلات) عشية سفره إلى بيروت لنيل درجة الماجستير في الجامعة الأميركية في بيروت، كي يقوم بنشاط تجسسي في لبنان وسورية، ويقدم تقريراً أسبوعياً للدائرة السياسية عن الأوضاع في البلدين.(9)  ولم يُكتب لأرلوزوروف أن يرى ثمار ما شرع في عمله منذ تبوئه رئاسة الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، إذ اغتيل في تل أبيب في سنة 1933، على خلفية احتدام الصراع بين التيار العمالي والتيار اليميني في الحركة الصهيونية،(10)  فحل مكانه في السنة نفسها، موشيه شرتوك الذي ظل في منصبه هذا حتى سنة 1948 حين أصبح وزيراً للخارجية في الدولة العبرية، ثم رئيساً للوزراء، وقد قام هو ودافيد بن – غوريون الذي تولى منذ سنة 1935 منصب رئيس إدارة الوكالة اليهودية وأصبح أول رئيس وزراء في إسرائيل، ببلورة السياسة الصهيونية وقيادتها في اتجاه الأقطار العربية في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته.
واستمر موشيه شرتوك في سياسة سلفه في استقطاب الكوادر الشابة، ففي سنة 1933 وظّف إلياهو ساسون في جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية،(11)  كما وظف في نهاية العام نفسه، وفي الجهاز نفسه، كلاً من عاموس لندمان الذي كان طالباً في الجامعة الأميركية في بيروت، والطالبة أفيفا توروفسكي التي كانت تدرس في الجامعة الأميركية في بيروت لنيل درجة الماجستير، وقد اختارت أن تكون "الحركة القومية العربية" موضوعاً لدراستها، وذلك كي يتسنى لها شرح اهتمامها بالسياسة والسياسيين السوريين واللبنانيين؛ وفي أثناء دراستها ونشاطها في بيروت تزوجت عاموس لندمان، فشكلا معاً بؤرة تجسس على لبنان وسورية لعدة أعوام.(12)
"وكالة الشرق"
في سياق السعي لاختراق الصحف العربية والوصول إلى الرأي العام العربي، أسست الدائرة السياسية للوكالة اليهودية في القاهرة وكالة أنباء باللغة العربية، ففي كانون الثاني/يناير 1934، أنشأ ناحوم فيلنسكي عميل الوكالة اليهودية، وكالة أنباء أطلق عليها اسم: "وكالة الشرق – شركة تلغرافية لإذاعة الأنباء السياسية والاقتصادية والمالية"، وقام بتسجيلها رسمياً في القاهرة.(13)  ومنذ إنشاء هذه "الوكالة"، ظلت الوكالة اليهودية تزودها بالمواد الصهيونية الدعائية الإعلامية لنشرها وتوزيعها، وخصوصاً على الصحف الصادرة في البلاد العربية. وطلب موشيه شرتوك من ناحوم فيلنسكي، مسؤول "وكالة الشرق"، وكان مقره في القاهرة، الانتباه وأخذ الحيطة والعمل بحذر وإخفاء العلاقة كلياً بين "وكالة الشرق" والوكالة اليهودية، والتظاهر بالحيادية وإبراز الأرقام والحقائق فيما يتعلق بتطور المشروع الصهيوني، وذلك "كي لا تتعرض وكالة الشرق للمقاطعة من جانب الصحافة العربية." وأضاف شرتوك: "علينا إغواء ونيل رضى" الصحف العربية بتزويدها أخباراً مثيرة وحيوية متعلقة بما يحدث في عالم الشرق الأوسط السياسي، لكن "عندما نكون معنيين بتحويل موضوع ما إلى موضوع مثير، فإنك ستقوم بذلك بحذر وتكتيك كما تصرفت حتى الآن."(14)
ووضع ناحوم فيلنسكي نصب عينيه هدفاً سياسياً كبيراً، كما ذكر في أحد تقاريره، هو منع قيام جبهة عربية موحدة ضد الصهيونية، وذلك بإيجاد شرخ واسع بين الحركة الوطنية الفلسطينية والأقطار العربية، وبخلق مصاعب أمام الحركة الوطنية الفلسطينية في الشرق كافة.(15)  ففي ضوء تمسك قادة الصهيونية المستمر بإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني، وكذلك تعاظم تدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين في تلك الفترة، والرفض الصهيوني الدائم لاستقلال فلسطين، وفي ضوء ازدياد التعاطف الشعبي العربي مع الشعب العربي الفلسطيني، اقترح ناحوم فيلنسكي القيام بحملة سلام إعلامية في الصحف العربية لترويج انطباع عن الصهيونية في الرأي العام العربي، مغاير لماهيتها ومناقض لأهدافها، ولإظهارها كأنها تحب السلام وتسعى لتحقيقه. فقد اقترح فيلنسكي، في تقريره إلى موشيه شرتوك، الشروع في "هجوم سلام كبير"، وذلك عبر نشر مقالات في الصحافة اليهودية في فلسطين تدعو إلى السلام مع العرب كي تقوم "وكالة الشرق" بترجمتها ونشرها في الصحافة في الأقطار العربية. واعتقد ناحوم فيلنسكي أن هذه الحملة يجب أن تتوجه إعلامياً ليس إلى الفلسطينيين فحسب، بل أيضاً إلى البلاد العربية التي يمكن أن تتأثر بها، وكذلك إلى الدوائر الأوروبية المهتمة بفلسطين.(16)
واستمر نشاط "وكالة الشرق" أعواماً طويلة زرعت خلالها المعلومات الهادفة إلى الإساءة إلى الحركة الوطنية الفلسطينية، وإلى إيجاد الصراعات العربية – العربية وتغذيتها، وإلى غرس أوهام بشأن سعي الصهيونية لتحقيق السلام. علاوة على ذلك، فإن كثيرين من قادة جهاز الاستخبارات التابع للوكالة اليهودية، خلال زياراتهم المتعددة للعواصم العربية في تلك الفترة، وفي مقدمهم إلياهو ساسون وإلياهو إبشتاين، استخدموا صفة "مراسلي وكالة الشرق" للتغطية على عملهم التجسسي ضد العرب.(17)
تكثيف النشاط خلال الفترة 1936 – 1939
مع تصاعد الكفاح الوطني الفلسطيني المسلح، والذي وصل إلى إحدى ذراه باغتيال حاكم لواء الجليل أندروز ومساعده في 26/9/1937، صعّدت سلطات الانتداب البريطانية بطشها بالشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، فأقدمت، بعد خمسة أيام من مصرع أندروز، على حل اللجنة العربية العليا واللجان القومية في فلسطين، وأصدرت أمراً بعزل المفتي الحاج أمين الحسيني من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وشنت حملة اعتقالات واسعة شملت قادة الحركة الوطنية الفلسطينية وكوادرها. وقد لجأ المفتي الحاج أمين الحسيني إلى المسجد الأقصى تجنباً لاعتقاله، ثم غادر القدس سراً إلى لبنان.
وكانت سورية ولبنان ساحتين مهمتين لدعم الثورة الفلسطينية منذ اندلاعها في سنة 1936، لكن بعد لجوء الحاج أمين الحسيني إلى لبنان في تشرين الأول/أكتوبر 1937، ازدادت أهميتهما، وشكلتا مركزاً وقاعدة إسناد مهمة للثورة الفلسطينية.
وأدركت قيادة الوكالة اليهودية أهمية كل من لبنان وسورية بالنسبة إلى الثورة في فلسطين، فتابعت عن كثب توجهات رأي النخب والرأي العام في البلدين. وتكشف الوثائق الإسرائيلية، وخصوصاً تقارير إلياهو ساسون وإلياهو إبشتاين، أن الوكالة اليهودية اهتمت جداً بالصحافة اللبنانية والسورية في أثناء ثورة 1936 – 1939 الفلسطينية، وبذلت جهوداً كبيرة للتأثير فيها. ففي كانون الثاني/يناير 1937، اجتمع كل من إلياهو ساسون وإلياهو إبشتاين بوديع تلحوق، المحرر في صحيفة (الإنشاء) السورية، في فندق أمية في دمشق، وبحثا معه في إمكان أن يقوم بنشر مقالات في الصحافة السورية تشرح المشروع الصهيوني في فلسطين، وتمخض هذا الاجتماع عن موافقة وديع تلحوق على القيام بهذا الدور، شرط أن تزوده الوكالة بمواد معتدلة.(18)  وبعد أن عاد ساسون وإبشتاين من دمشق إلى القدس، أرسل هذا الأخير إلى وديع تلحوق "مقالة تبحث في العلاقات الاقتصادية بين فلسطين وسورية مبنية على أرقام ووقائع معتدلة كل الاعتدال في أسلوبها ومبناها"، ورجاه أن يقوم "بنشرها في صحيفة (الإنشاء)، أو في إحدى الصحف الكبرى في دمشق"، وطلب منه أن يرسل إلى الوكالة اليهودية ثلاثة أعداد، أو أربعة، وأخبره أنه سيرسل إليه قريباً مقالات أُخرى. ولم ينس إبشتاين أن يعلمه أنه "لكم الحرية في إدخال قلمكم على المقالات وجعلها عند الضرورة ملائمة للنشر بالجرائد السورية بدون أن يحصل لكم بسبب ذلك أي وجع راس."(19)
في ضوء تفاقم الأوضاع في فلسطين في خريف سنة 1937، شدد إلياهو ساسون مجدداً، على أهمية دور الصحافة اللبنانية والسورية في التأثير في الرأي العام في البلدين. ففي تقرير له من بيروت في بداية تشرين الأول/أكتوبر 1937، ذكر أنه "رأى بأم عينيه الناس وهم يركضون وراء بائعي الصحف ويختطفون الصحف كي يقرأوا الأخبار حول الوضع في فلسطين"، وأن اهتمام الجمهور اللبناني بالوضع في فلسطين يفوق كثيراً اهتمامهم بمعركة الانتخابات للبرلمان اللبناني، والتي كانت تجري في تلك الأيام.(20)  وفي أثناء وجوده في دمشق في تلك الفترة، ومن خلال متابعته الوضع في سورية عن كثب، لاحظ في تقرير له من دمشق، أن عادل العظمة ونبيه العظمة والدكتور صبحي أبو غنيمة وشكيب أرسلان والشيخ كمال القصاب يؤيدون الثوار الفلسطينيين، ويضغطون بشدة على الحكومة السورية كي لا تعرقل نشاط أولئك الثوار. وذكر في تقريره أن الحكومة السورية في وضع صعب بسبب النزاعات بينها وبين مناطق عديدة في سورية، وكذلك بسبب رفض فرنسا المصادقة على الاتفاقية الفرنسية – السورية، ولذلك فإنها لا تتجرأ على منع الناشطين السوريين والفلسطينيين من أن ينشطوا داخل سورية.(21)  وبعد أن قام ساسون بتحليل الوضع في سورية، قدّم إلى الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية خطة اقترح فيها أن تقوم الوكالة اليهودية بجملة من الخطوات كي تؤثر في الوضع في سورية، أبرزها:
1 – الاتصال بباريس، وحثها على الضغط على الحكومة السورية كي توقف الدعاية المناهضة للصهيونية في الصحف السورية.
2 – حث باريس على عدم المصادقة على الاتفاقية الفرنسية – السورية، فهذا سيرغم الحكومة السورية على أن تضبط نفسها تجاه القضية الفلسطينية، كما أنه سيزيد في معارضة الشعب السوري للحكومة السورية، الأمر الذي سيؤدي إلى إضعاف تلك الحكومة، وإلى التقليل من اهتمام السوريين بالقضية الفلسطينية.
3 – نشر مقالات في الصحف السورية يومياً تقريباً، تدعم الطروحات الصهيونية المركزية إزاء الوضع في فلسطين وسورية.
4 – إثارة مسألة لواء الإسكندرون في الصحف ونشر مقالات بشأنه، وكذلك نشر الخطب جميعها التي ألقاها القادة السوريون بشأن هذا اللواء في كتيبات، وذلك كي ينصب اهتمام السوريين عليه، ويكفوا عن الاهتمام بالقضية الفلسطينية.
وأضاف ساسون أنه توجد في حلب معارضة قوية ضد الحكومة يمكن استغلالها بسهولة، وأن صحف حلب ستكون على استعداد لنشر مقالات تهاجم الحكومة السورية و"الكتلة الوطنية" لإهمالهما مسألة لواء الإسكندرون.
5 – إثارة الصحف الإنكليزية وحثها على مهاجمة حكومتي سورية وفرنسا لأنهما تسمحان للصحافة السورية وللسوريين بالتدخل فعلياً في قضية فلسطين.(22)  وفيما يتعلق بالصحافة في لبنان، اقترح إلياهو ساسون في رسالته إلى برنارد جوزيف، نائب رئيس الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، إرسال رسالة شخصية إلى رئيس الجمهورية اللبنانية إميل إده، ولفت انتباهه إلى ما تنشره الصحف اللبنانية، وإلى ردات فعلها الشديدة على ما يجري في فلسطين، وأن يعرب برنارد جوزيف في رسالته عن أمله بـ "أن تقوم الحكومة اللبنانية التي حافظت خلال تلك الفترة كلها على حيادها تجاه القضية الفلسطينية، بالطلب من الصحافة اللبنانية الكف عن التدخل في القضية الفلسطينية."(23)
إلياهو ساسون
في بداية تشرين الأول/أكتوبر 1937، كثف إلياهو ساسون نشاطه لنشر مقالات في الصحف السورية، فأرسل إلى عميل الوكالة اليهودية في دمشق الصحافي ع. ع. ثلاثة مقالات لنشرها. ونشر هذا العميل مقالين في صحيفتين دمشقيتين، أمّا المقال الثالث فنشره في صحيفة "الدستور" الصادرة في حلب. وقد أثار هذا المقال الثالث حين نُشر بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 1937 ضجة كبيرة في حلب، إذ جاء على شكل افتتاحية في الصفحة الأولى بعنوان: "نحن أولى بلجنة دفاع عن سورية من لجنة دفاع عن فلسطين وباقي بلاد العرب"، ذُكر فيها: "... أن ينصرف السوريون مثلاً – وهم في حالتهم الحاضرة المليئة بالفقر المدقع والاضطراب والاختلافات والتحزبات – إلى معالجة المشكلة الفلسطينية وغيرها وهم على ما هم عليه من تفكك وخور، فذلك فضلاً عن أنه يؤخرهم عن تدارك أمرهم الذي قد يؤدي إلى الهلاك والدمار، فهو يؤدي أيضاً إلى الهزء منهم والاستخفاف بهم من جانب الأجانب الطامعين... فنحن والحالة هذه أولى بلجنة دفاع عن سورية منا عن لجنة دفاع عن أية بقعة من بلاد العرب العزيزة... ولا نظن أن عاقلاً مهما بلغ منه التهور والتطرف يترك باب داره مفتوحاً أمام عصابات اللصوص المحدقة به من كل صوب، ويهبّ لمساعدة جاره المنكوب بدوره بهؤلاء اللصوص..."(24)
وفي 10 تشرين الأول/أكتوبر 1937 أرسل إلياهو ساسون تقريراً من بيروت إلى برنارد جوزيف نائب رئيس الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، ذكر فيه أنه أنهى كتابة 12 مقالاً لنشرها في الصحف اللبنانية والسورية، وأنه طلب من عميل الوكالة اليهودية الصحافي ع. ع. القدوم من دمشق إلى بيروت لمساعدته في إيصال المقالات التي خصصها ساسون للصحف البيروتية، إلى محرري هذه الصحف. وبعد أن قام الاثنان بالمهمة، غادرا بيروت وتوجها إلى حلب، ومن هناك أرسل ساسون تقريراً إلى برنارد جوزيف أخبره فيه أنه نجح في أثناء زيارته حلب، في الاتفاق على نشر سبعة مقالات في صحيفتين تصدران في حلب هما "الدستور" و"الجهاد". وجاء في التقرير أيضاً، أن المقالات المنشورة في الدستور تهاجم لجنة الدفاع عن فلسطين، وتطالب الحكومة السورية بمصادرة الأموال كلها التي جمعتها اللجنة لمصلحة فلسطين، وبتوزيعها على فقراء سورية وعمالها الذين يتضورون جوعاً، بينما تنتقد المقالات المنشورة في صحيفة "الجهاد" الحكومة السورية والشعب السوري لأنهما أهملا مسألة لواء الإسكندرون، وتدعو إلى إيقاظ الشعب السوري وتأسيس لجان دفاع عن هذا اللواء. وأضاف ساسون في تقريره هذا أنه وعد الصحيفتين بأن يرسل إليهما مقالات جديدة لنشرها، وأردف: "كما ترى، هذا عمل ثمنه قليل ونتائجه كبيرة." ثم طلب في ختام تقريره من برنارد جوزيف الإيعاز إلى مدير "وكالة الشرق" ناحوم فيلنسكي بأن ينشر تلخيصاً للمقالات في "وكالة الشرق"، وبأن ينشر المقالات المدسوسة بكاملها في صحيفة "دافار" كي "يثبت للعرب والإنكليز أنه ليس كل السوريين يتضامنون مع عرب فلسطين."(25)
في 14 تشرين الأول/أكتوبر 1937 أرسل ساسون إلى برنارد جوزيف تقريراً من دمشق أرفقه بنسخ من المقالات المدسوسة التي نشرت في الصحف السورية في اليوم ذاته، وجاء فيه أن المقالات جميعها تطرقت إلى مسألة لواء الإسكندرون، وأن بعضها انتقد موقف الحكومة من هذه المسألة، في حين شدد بعضها الآخر على الخطر التركي الذي يتربص بهذا اللواء، وأن المقالات المدسوسة ناشدت الشعب والحكومة السورية بذل كل ما في وسعهم للدفاع عن عروبته. وأشار ساسون إلى أن أهمية المقال الذي نشر في صحيفة "القبس" تعود إلى كون "القبس" صحيفة حكومية.(26)
في كانون الأول/ديسمبر 1937، استأنف ساسون نشاطه في نشر المقالات المدسوسة، ففي الرابع عشر من هذا الشهر أرسل تقريراً من بيروت إلى موشيه شرتوك أخبره فيه عن نجاحه في نشر خمسة مقالات في صحف عربية تصدر في بيروت ودمشق، وقد أرفق تقريره بنسخ عن هذه المقالات.(27)  وذكر ساسون في تقريره أنه نشر مقاله الأول في صحيفة "بيروت"، وأن موضوعه عالج ضرورة محاربة "الدعاية الأجنبية" في البلاد العربية والمتمثلة أساساً في الدعاية الألمانية والإيطالية، بينما جاء مقاله الثاني الذي نشره في صحيفة "لسان الحال" الصادرة في بيروت، على شكل تقرير من فلسطين تناول مقتل شرطيين عربيين مسيحيين بالقرب من عكا، وذلك بهدف إثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين. أمّا المقال المدسوس الثالث فنشره ساسون في صحيفة "فتى العرب" الصادرة في دمشق، وقد عالج فيه الوضع في لواء الإسكندرون، وشدد على أن واجب العالم العربي تجاه قضية هذا اللواء يسبق واجبه تجاه قضية فلسطين. ونشر ساسون المقال الرابع في صحيفة "صوت الأحرار" على شكل تقرير من فلسطين، سعى فيه لإظهار الارتباك في صفوف العرب والتناقض بين موقف القيادات الفلسطينية من ناحية، وموقف ملوك العرب من ناحية أُخرى، كما استعرض العوامل التي شجعت "لجنة بيل" البريطانية على التوصية بتقسيم فلسطين، وحاول إثبات أنه لا طريق أُخرى أمام العرب لحل القضية الفلسطينية سوى التفاهم مع اليهود، أو قبول تقسيم فلسطين. أمّا المقال الخامس، فنشره في صحيفة "البلاد" تحت اسم مستعار، فبدا كاتب المقال كأنه ناشط سياسي عربي فلسطيني يسكن في بيروت. وقد نسب المقال سلبيات وعيوباً كثيرة إلى النضال الفلسطيني، وتحدث عن عدم كفاءة القيادة الفلسطينية، وعن عدم توفر الأمن، وعدم تحلي القيادات الفلسطينية بالشجاعة للإقدام والتفاوض مع الوكالة اليهودية، ووسم الثورة في فلسطين بأنها "حرب عنصرية في فلسطين"، ودعا إلى إقامة علاقات صداقة بين الإسلام واليهودية، وحذر من مخاطر محاولة الفلسطينيين استغلال التناقض بين إيطاليا وألمانيا من ناحية، وفرنسا وبريطانيا من ناحية أُخرى. وأشار ساسون في نهاية تقريره، إلى أنه نشر منذ قدومه إلى بيروت حتى الآن ثمانية مقالات، وأنه ما زال هناك عشرون مقالاً آخر، يأمل بنشرها خلال أسبوع.(28)
في 15 كانون الأول/ديسمبر 1937 نشر إلياهو ساسون ثلاثة مقالات مدسوسة في الصحف اللبنانية،(29)  هاجم في المقال الأول الذي نشره في صحيفة "صوت الأحرار" على شكل تقرير من القدس، وفي الثاني الذي نشره في صحيفة "بيروت"، "الإرهابَ" العربي في فلسطين. أمّا المقال الثالث، والذي نشره في صحيفة "النهضة"، فهاجم فيه "مكتب الدعاية والنشر" في دمشق وصاحبه فخري البارودي الذي كان يزود الصحافة العربية بمعلومات وتحليلات مناصرة للشعب الفلسطيني. وأشار ساسون في تقريره إلى شرتوك، إلى أنه نشر حتى الآن أحد عشر مقالاً في الصحف اللبنانية والسورية، وأنه لم يتوقع مثل هذا النجاح، إذ لم يكن يتوقع أن تقبل الصحيفتان "الأكثر انتشاراً" وهما صحيفتا "بيروت" و"صوت الأحرار"، نشر مقالات تدين "الإرهاب" العربي في فلسطين، وتطالب بوقفه، وتهاجم قادته، وتبرر سياسة القبضة الحديدية البريطانية ضده. وطلب ساسون من شرتوك قراءة المقال الذي نشره في صحيفة "صوت الأحرار" لرؤية كم هو منطقي وقوي، وأضاف أنه يمكن استغلال هذا المقال في صحف مصر وإنكلترا وفرنسا، وفي مكاتب "كي دورسي" و"داونينغ ستريت" في لندن. وأكد ساسون في تقريره وجود صحف عدة في سورية ولبنان "مستعدة لأن تنشر المواد التي نزودها بها"، وأنه يجب عدم تفويت هذه الفرصة. وقال إن نشر هذه المقالات هو أفضل الطرق "للحرب ضد الإرهاب، ولإظهار فشل قادته وإهانتهم أمام العالمين الشرقي والغربي"، ولذلك يتوجب عدم التوقف الآن عن نشر المقالات كي لا تخسر الوكالة اليهودية الصحف التي اخترقتها، وكي لا تسمح للرأي العام بالانجرار وراء الفلسطينيين. وذكر ساسون أنه سيخصص وقته في الأيام القادمة لكتابة مقالات في مختلف الموضوعات، وسيقوم بنشرها في صحف متعددة، ثم ختم تقريره بطمأنة شرتوك بتأكيده أن "ذلك لن يكلفنا كثيراً، فأنا لا أدفع أكثر من جنيهين فلسطينيين في مقابل نشر كل مقال. وهناك صحف تكتفي بأقل من ذلك، بجنيه ونصف جنيه فلسطيني، أو بجنيه فلسطيني فقط، في مقابل المقال."(30)
واستمر ساسون في نشر مقالاته المدسوسة بهمة ونشاط، ففي تقريره إلى شرتوك من بيروت في 16 كانون الأول/ديسمبر 1937، ذكر أنه ظهرت في صباح ذلك اليوم، أربعة مقالات له في أربع صحف تصدر في دمشق وبيروت.(31)  وقد نُشر المقال الأول في صحيفة "لسان الحال" الصادرة في بيروت، وجاء على شكل تقرير من القدس هاجم بشدة "أعمال العنف" التي يقوم بها الفلسطينيون، معرباً عن الدهشة من صمت رجال الدين الإسلامي عن هذه الأعمال، كما تحدث عن إدانة القادة اليهود "لعمليات الانتقام" التي ينفذها "العديد من صغارهم"، وحمّل القادة العرب الفلسطينيين مسؤولية الوضع القائم في فلسطين. ونُشر المقال الثاني في صحيفة "فتى العرب" الدمشقية، وكان موضوعه "الاتهامات الخطيرة" التي توجهها الصحف البريطانية إلى المسؤولين السوريين فيما يتعلق بموقفهم من القضية الفلسطينية. وجاء في المقال أن سفر رئيس وزراء سورية، جميل مردم، إلى الخارج، هدف إلى نفي التهم التي تعرقل مصادقة فرنسا على الاتفاقية الفرنسية – السورية، كما حذر المقال الحكومة السورية وأعضاء البرلمان والصحافيين السوريين من مغبة التطرق إلى القضية الفلسطينية في الوقت الراهن. وأشار ساسون في تقريره إلى أن هذا المقال هو أحد المقالات التي كان ساسون قرأها على شرتوك في حينه. أمّا المقال الثالث، فنُشر في صحيفة "الإنشاء" الدمشقية، وقد هاجم "السياسة السلبية" التي اتخذها القادة الفلسطينيون خلال 17 عاماً، واتهمهم بإغلاق الطريق أمام "السياسة الإيجابية". ودعا المقال جميع الذين يتبنون "السياسة الإيجابية" في البلاد العربية، إلى الظهور على الملأ والعمل من أجل تحقيق سياستهم. وظهر مقال ساسون الرابع لهذا اليوم في صحيفة "صوت الأحرار" البيروتية، وجاء على شكل تحقيق تناول قرار حكومة فلسطين الانتدابية "الحاسم" إعادة الهدوء والنظام إلى فلسطين بمختلف الوسائل، وأكد تصميمها على تنفيذ تقسيم فلسطين وفق توصية لجنة بيل، إذا ما فشلت بريطانيا في إقناع العرب واليهود بقبول التقسيم. ووصف المقال العرب الذين يقومون "بأعمال عنف" بأنهم أشخاص فقدوا وعيهم وعقولهم، كما فقدوا التمييز بين الصالح والطالح، وشن هجوماً على القادة الفلسطينيين، وانتقد الدعاية الأجنبية "التي تستغل الوضع وتصب الزيت على النار"، ودعا حكومة فلسطين الانتدابية إلى السماح "للقادة الفلسطينيين"، الذين لم يبعدوا ولم يسجنوا، باستلام قيادة الشعب العربي الفلسطيني من أجل وضع حد لـ "الإرهاب"، وللوضع غير العادي السائد في فلسطين. ودعا ساسون، في ختام تقريره، شرتوك إلى أن يقرأ المقالات كي يكوّن صورة كاملة، ويدرك مدى تأثيرها في القارئ، وأخبره أنه نشر منذ وصوله إلى بيروت حتى الآن 15 مقالاً، وأنه يأمل بـ "أن يُدخل اليوم مقالاً في (النهار) وآخر في (الاتحاد) كي يكون الاحتلال كاملاً."(32)  ونشر ساسون في أثناء مكوثه في بيروت ودمشق أحد عشر يوماً، في كانون الأول/ديسمبر 1937، 28 مقالاً مدسوساً في إحدى عشرة صحيفة، بثمن معدله 1.75 جنيه فلسطيني للمقال الواحد.(33)
النقاش بين شرتوك وساسون
بعد عودته إلى القدس اجتمع إلياهو ساسون بموشيه شرتوك الذي بلّغه أمرين مهمين: أولاً، أن ميزانية الدائرة السياسية للوكالة اليهودية لا تسمح باستمرار نشر المقالات في الصحف السورية واللبنانية بوتيرة مرتفعة؛ ثانياً، أن نشر 28 مقالاً خلال أحد عشر يوماً هو وتيرة عالية، ولا بد من أن يثير الشكوك ويقود إلى كشف المقالات المدسوسة. وبناء على ذلك، قرر شرتوك الموافقة على نشر مقالين فقط في الأسبوع في الصحف اللبنانية والسورية.(34)  وأثار قرار شرتوك امتعاض ساسون، لكنه لم يستسلم، وإنما أرسل إليه رسالة مطولة شرح فيها الأسباب المهمة التي توجب استمرار نشر المقالات في الصحف السورية واللبنانية بوتيرة عالية، وليس مقالين في الأسبوع كما قرر شرتوك.(35)  فبعد أن أشار إلى التحديات المهمة التي تواجهها الصهيونية من النواحي الأمنية والسياسية، وإلى "الدعاية الفلسطينية المكثفة" في الصحف السورية واللبنانية، أكد ضرورة الاستمرار في نشر المقالات، وحاجج ضد قرار شرتوك، وأورد العوامل والأسباب التالية لإقناعه بالعدول عن قراره:(36)
أولاً: إن المقالات تعالج موضوعات متنوعة ومهمة، ولم تحصر ذاتها في معالجة موضوع واحد فقط.
ثانياً: لا يمكن للقارئ أن يدرك أو يشك في أن هذه المقالات مشبوهة أو مدسوسة من جانب يهود، لأن قسماً منها نشر على شكل تقارير، كأنها من مراسلي الصحف في فلسطين، وقسم آخر تم توقيعه بأسماء عربية مستعارة. علاوة على ذلك، كانت المقالات واضحة وعميقة ومطلعة على قضايا العرب الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، وكُتبت كأنها تحرص على مصالح العرب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ثالثاً: لو كان يصدر في لبنان وسورية ثلاث صحف، أو أربع فقط، لكان من الممكن الاكتفاء بمقالين في الأسبوع، واحد في بيروت وآخر في دمشق، لكن تصدر في كليهما 27 صحيفة يومية باللغة العربية، 18 في بيروت و9 في دمشق، وكل صحيفة لها قراؤها وجمهورها. وأضاف ساسون أن معظم هذه الصحف، إن لم يكن كلها، يكتب "يومياً مقالات سامة مناهضة للصهيونية تتناول مؤامراتنا وتطلعاتنا الاستعمارية في فلسطين والبلاد المجاورة." وفي هذه الحالة لن يكون هناك تأثير لمقالين اثنين.
رابعاً: لو كان الهدف من نشر المقالات التصدي للدعاية الأجنبية فقط، لتم الاكتفاء بمقالين، لكن "هدفنا لا ينحصر في معالجة موضوع واحد، وإنما في كثير من الموضوعات وجميعها جدي ومهم ومستعجل: (الإرهاب)، ودعم الدول العربية له؛ الدعاية الأجنبية؛ تدخل البلاد العربية في القضية الفلسطينية؛ التقسيم؛ التفاهم المتبادل؛ إبراز قوة الييشوف في فلسطين؛ الحرب ضد المفتي الحاج أمين الحسيني وأنصاره؛ قضايا البلاد المجاورة وتأثيرها في شؤون فلسطين؛ إلخ."
خامساً: لقد تغيرت الأوضاع كثيراً في الفترة الأخيرة، الأمر الذي يقتضي تكثيف نشر المقالات، فسورية باتت قاعدة للحركة الوطنية الفلسطينية، وتقوم بدور بالغ الأهمية في القضية الفلسطينية، كما أن الدعاية الأجنبية تكثفت في سورية ولبنان.
سادساً: إن نشر مقالين اثنين في الأسبوع، واحد في دمشق وآخر في بيروت، لن ينجح، فأي صحيفة سورية أو لبنانية، لن توافق على أن تنفرد في موقفها ضد "المتطرفين" و"القوميين" بنشر مقال واحد عندها. كما أن نشر مقالين في صحيفتين فقط، من شأنه أن يكشفهما ويثير الشكوك فيهما، وهذا ليس من مصلحة الوكالة اليهودية. وفي ختام رسالته طلب إلياهو ساسون من موشيه شرتوك رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، إعادة النظر في قراره.(37)
وفي أعقاب رسالة ساسون إلى شرتوك، وبعد أخذ وردّ بينهما، تخلى شرتوك عن موقفه السابق والقاضي بنشر مقالين اثنين فقط في الأسبوع في الصحف اللبنانية والسورية. وفي إثر ذلك، قدم ساسون، في أواخر كانون الأول/ديسمبر 1937، برنامج عمل إلى موشيه شرتوك، أوضح في مقدمته أن تأثير هذه المقالات في النخب والرأي العام في سورية ولبنان لن يظهر على الفور، وإنما بعد سنة، أو على الأقل بعد نصف سنة، شرط أن تستمر عملية نشر المقالات بثبات وانتظام. ومن أجل تحقيق ذلك، اقترح ساسون، وبناء على تجربته ومعرفته بأصحاب ومحرري الصحف السورية واللبنانية وعلاقاته بهم، وآخذاً بعين الاعتبار مدى انتشار الصحف، نشرَ المقالات المدسوسة في سبع صحف، ثلاث سورية هي "فتى العرب" و"الإنشاء" و"الأيام"، وأربع لبنانية هي "صوت الأحرار" و"بيروت" و"لسان الحال" و"النهار".(38)  وأشار ساسون إلى أنه عند الحاجة، أو عند عدم القدرة على نشر المقالات في أي من الصحف المذكورة، فإنه سيستعمل صحفاً أُخرى. وأضاف أنه من الأفضل نشر مقالات في الصحف السورية أكثر من الصحف اللبنانية؛ غير أن الصحف السورية، وفقاً لمعرفته وتجربته، تدقق جداً في مضمون المقالات واتجاهها، كما أنها في بعض الأحيان ترفض نشرها حتى في مقابل ثمن مرتفع، وسبب ذلك في رأيه، يعود إلى اهتمام الصحف السورية بما أطلق عليه "البرستيجا"، وإلى علاقاتها بالقيادات الفلسطينية الموجودة في سورية ولبنان، وإلى الدعم المالي الذي كانت تحصل عليه من كل من الحكومة السورية والقيادة الفلسطينية وحكومات أجنبية. لكنه ذكر أن الصحف اللبنانية، ولا سيما الصحف المذكورة أعلاه، هي أكثر انتشاراً في فلسطين والبلاد العربية الأُخرى من الصحف السورية، وأضاف أن "بعض الصحف اللبنانية معني، لأسباب سياسية واقتصادية، بوقف الإرهاب في فلسطين، وبالحرب ضد الدعاية الأجنبية، وبتطور المشروع الصهيوني."(39)  ورأى ساسون، فيما يتعلق ببرنامج عمله، أن تكون وتيرة النشر مقالاً واحداً في الأسبوع في كل صحيفة من الصحف السبعة، أي 28 مقالاً في الشهر، فهذه الوتيرة، في نظره، ليست مرتفعة، وخصوصاً في ضوء "نشاطات المفتي الحاج أمين الحسيني والدعاية الأجنبية" في هذا المضمار، كما أنها تمكّن الوكالة اليهودية من معالجة مختلف الموضوعات، وتستجيب في الوقت نفسه، لمطالب الصحف المالية، وتبعد الشبهات عن صحيفة أو صحيفتين إذا ما انفردتا بنشر هذه المقالات. علاوة على ذلك، رأى ساسون، وبناء على تجربته السابقة، ضرورة رصد 60 جنيهاً فلسطينياً في الشهر لدفعها إلى الصحف المذكورة في مقابل نشر المقالات، وأنه يجب استغلال هذه المقالات وإعادة نشرها في الصحافة الإنكليزية والأوروبية، والإشارة إليها في "وكالة الشرق". ومن أجل نجاعة العمل وإغنائه ومناقشة موضوعات المقالات، اقترح ساسون عقد اجتماع أسبوعي لكبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات التابع للوكالة اليهودية يشارك فيه، بالإضافة إلى ساسون نفسه، كل من إلياهو إبشتاين وأهارون حاييم كوهين.(40)
ويتضح من تقارير ساسون أنه واصل نشر المقالات المدسوسة في الصحف السورية واللبنانية، وأنه حاول زيادة عدد الصحف التي ينشر فيها هذه المقالات، ففي تقرير أرسله إلى موشيه شرتوك ذكر أنه نشر سبعة مقالات في الصحف اللبنانية والسورية، وقد أرفق التقرير بنسخ عن أعداد هذه الصحف. ويستدل من هذا التقرير أن ساسون نشر ثلاثة مقالات في صحيفة "الرابطة" في 14 و16 و19 تموز/يوليو 1938، ومقالين في 20 من الشهر نفسه، واحداً في "الحديث" وآخر في "الاتحاد"، كما نشر في اليوم التالي مقالين أحدهما في "الاتحاد" وثانيهما في "الرابطة". ونشر ساسون أغلبية هذه المقالات كمقالات رئيسية من جانب هيئات تحرير الصحف، وقد عالج معظمها المؤتمر البرلماني لنواب الدول العربية والإسلامية، والذي كان من المزمع عقده في القاهرة لمناصرة الشعب الفلسطيني.(41)
في 22 تموز/يوليو 1938، نشر ساسون مقالين مدسوسين في "الاتحاد" و"الحديث" الصادرتين في بيروت، وذكر في تقريره أن أحد هذين المقالين، والذي كان من نسج خياله، يتحدث عن عزم المسلحين الفلسطينيين إلقاء قنابل على المسجد الأقصى، ثم اتهام اليهود بأنهم هم من قاموا بذلك. أمّا المقال الثاني فيدعو إلى عدم مشاركة أعضاء البرلمان اللبناني في المؤتمر البرلماني لنواب الدول العربية والإسلامية المزمع عقده في القاهرة. واختتم ساسون تقريره بطلبه من المسؤول في الدائرة السياسية، نشر ملخص هذين المقالين في صحيفة "دافار" العبرية، كي يرى العالم "مؤامرة" المسلحين الفلسطينيين، ولإثبات أن لبنان يقف ضد المشاركة في المؤتمر البرلماني المزمع عقده في القاهرة.(42)
وفي سياق نشاط ساسون لكسب صحف جديدة، أشار في أحد تقاريره إلى أنه اجتمع في دمشق، في 29 آب/أغسطس 1938، ولثلاث ساعات، بتوفيق جانا صاحب صحيفة "الاستقلال العربي"، وذلك في بيت عميل الوكالة اليهودية، وبحضور عضو البرلمان السوري عن الطائفة اليهودية، يوسف لنيادو، وأن جانا وافق على الشروط التي كان ساسون اتفق بشأنها مع صاحب صحيفة "الحديث" الياس حرفوش، وصاحب صحيفة "الأحوال" سمعان سيف، وهي نشر مقالات لمصلحة الصهيونية في مقابل 12 جنيهاً فلسطينياً في الشهر، وأنه اتفق معه على أن يبدأ النشر في بداية أيلول/سبتمبر 1938.(43)  وفي 5 أيلول/سبتمبر من تلك السنة، اجتمع ساسون بنصوح بابيل صاحب صحيفة "الأيام"، وأحد رموز المعارضة في سورية آنذاك، ومع أن هذا الاجتماع لم يكن الأول بينهما، إذ إن ساسون اعتاد لقاء بابيل قبل هذا الاجتماع وبعده، لكن يمكن القول إن ما ميز هذا اللقاء هو أنه عمّق تعاون بابيل معه في عدة قضايا. فوفقاً لتقرير ساسون، جاء هذا الاجتماع بمبادرة من ساسون نفسه، وقد استمر ثلاث ساعات تحدث هذا الأخير في مستهله عن أن هناك ضرورة ملحة في أن تقوم الصحافة السورية بعمل مكثف من أجل تهدئة الأوضاع السورية الهائجة والمؤيدة لنضال الشعب العربي الفلسطيني، وذلك "خدمة للمصالح السورية ومصالح اليهود في فلسطين"، وأنه طلب من بابيل المساعدة في تهدئة الأوضاع في سورية.(44)  وبحسب تقرير ساسون، شكك بابيل في إمكان أن يصغي الصحافيين السوريين إلى الوكالة اليهودية، وذلك لأن المفتي الحاج أمين الحسيني يدفع المال إلى معظمهم. ويضيف ساسون أن بابيل بلّغه في هذا الاجتماع أنه "هو نفسه استلم من المفتي في الأشهر الثلاثة الماضية، ومن دون أن يطلب، وذلك على حد قوله، مبلغ مئة جنيه فلسطيني، كي يدفع إلى العاملين في الجريدة، العاطلين عن العمل، خلال إغلاق الجريدة في الأشهر الثلاثة الماضية." ويقول ساسون إن بابيل بلّغه أن لا فائدة من شراء صحيفة أو صحيفتين، وأن المنفعة لن تكتمل حتى إذا اشترت الوكالة اليهودية الصحف السورية كلها، ما دام "مكتب الدعاية والنشر" التابع لفخري البارودي، ناشطاً وفاعلاً. واستطرد بابيل قائلاً إنه لن يكون في الإمكان إسكات ذلك المكتب بواسطة المال، لأن الحاج أمين الحسيني يدفع إليه شهرياً كثيراً من المال، وإنه فقط بواسطة الضغط في باريس ولندن يمكن إسكاته ومعالجة هذا الوضع. وفي ختام الاجتماع وافق نصوح بابيل على أن تساهم صحيفة "الأيام" في تهدئة الوضع الهائج في سورية والمؤيد لنضال الشعب العربي الفلسطيني، وذلك في مقابل مبلغ مالي.(45)
وكثف ساسون، عشية عقد المؤتمر البرلماني لمناصرة الشعب الفلسطيني في القاهرة، نشاطه واتصالاته بالصحافيين، وبمحرري الصحف اللبنانية والسورية وأصحابها، وبجهات لبنانية وسورية عديدة، وذلك بهدف عرقلة المؤتمر، والعمل على أن يقاطعه أكبر عدد ممكن من أعضاء البرلمانين اللبناني والسوري. وفي تقريره إلى موشيه شرتوك، يذكر أنه خلال مكوثه أربعة أيام في بيروت، من أواخر أيلول/سبتمبر حتى بداية تشرين الأول/أكتوبر 1938، التقى كثيرين من الصحافيين ومحرري الصحف وأصحابها في بيروت ودمشق، وقد برز من تلك اللقاءات اجتماعه بالياس حرفوش صاحب صحيفة "الحديث" الذي اجتمع به ثلاث مرات، كما أنه التقى سمعان سيف محرر صحيفة "الأحوال" مرتين، وأسعد عقل محرر صحيفة "البيرق" مرة واحدة، وأنه سافر، في أثناء ذلك، إلى دمشق ثلاث مرات اجتمع خلالها بتوفيق جانا صاحب صحيفة "الاستقلال العربي"، وبشخصيات سورية أُخرى.(46)  وبحث ساسون مع جميع مَن التقاهم في كيفية عرقلة مشاركة أعضاء البرلمانين اللبناني والسوري في المؤتمر البرلماني، واتفق مع كثيرين من أصحاب ومحرري الصحف على أن تقوم صحفهم بنشر مقالات باسم هيئات التحرير تدعو إلى عدم مشاركة أعضاء هذين البرلمانين في ذلك المؤتمر. ويضيف ساسون في تقريره أنه خلال الأيام الأربعة المذكورة أعلاه، ونتيجة جهوده، نشر ثمانية مقالات في صحف بيروت: "الأحوال" و"الاتحاد" و"لسان الحال" و"صوت الأحرار"، ضد مشاركة أعضاء البرلمان اللبناني في المؤتمر البرلماني المزمع عقده في القاهرة في تشرين الأول/أكتوبر 1938. وقد شددت المقالات على أن كل من يشارك في المؤتمر البرلماني يذهب إليه باسمه الشخصي، وأن لا حق له في التحدث باسم لبنان، ولا التزام أي أمر كان باسم لبنان أيضاً، كما طالبت صحيفة "صوت الأحرار"، في مقال رئيسي طويل، المؤتمر البرلماني باتخاذ قرار بضرورة وقف "أعمال الشغب" في فلسطين، وبإجراء مفاوضات بين الأطراف من أجل التوصل إلى حل مقبول للقضية الفلسطينية.(47)  ويضيف ساسون في تقريره أن "الياس حرفوش وعد بأن يقوم اليوم بزيارة كل من إميل إده رئيس الجمهورية اللبنانية، و(كيبر) مدير القسم السياسي في الممثلية [الفرنسية] العليا، لحثهما على الإشارة إلى أعضاء البرلمان الذين يعتزمون المشاركة في المؤتمر، بالانسحاب وعدم الذهاب، وذلك من أجل الحفاظ على حيادية لبنان، وعدم إثارة سخط الإنكليز واليهود." ويشير ساسون، في تقريره، إلى أن الياس حرفوش التزم أن ينشر خلال اليومين المقبلين مقالين شديدي اللهجة ضد المؤتمر وأهدافه عامة، وضد أعضاء البرلمان اللبناني الذين يعتزمون المشاركة في المؤتمر خاصة، وسيقول إنهم حصلوا على دعم مالي من نبيه العظمة للمشاركة فيه من أجل إظهار تضامن لبنان مع الثوار الفلسطينيين.(48)  علاوة على ذلك، يذكر ساسون أنه تمكن من تجنيد العديد من الشخصيات اللبنانية والسورية للتأثير مباشرة في أعضاء البرلمان بعدم المشاركة في المؤتمر البرلماني، فقد تمكن بمساعدة خير الدين الأحدب، رئيس وزراء لبنان السابق، من التأثير في موسى نمور، الذي كان سيرئس الوفد البرلماني اللبناني، بالامتناع من المشاركة في المؤتمر، كما تمكن بمساعدة الياس حرفوش من التاثير في عضوي البرلمان فريد الخازن وأيوب كنعان بالانسحاب من المشاركة فيه.(49)
ولم تكن المبادرة إلى نشر مقالات مدسوسة مؤيدة للصهيونية في الصحافة اللبنانية والسورية تأتي دوماً من جانب الوكالة اليهودية، وإنما جاءت في العديد من الحالات، من أشخاص من هذين البلدين. ففي رسالة بعثها ساسون إلى موشيه شرتوك يتضح أن الصحافي م. ن. بادر إلى الاتصال بالوكالة اليهودية بغرض نشر مقالات مؤيدة للصهيونية في الصحف السورية واللبنانية، وقد ذكر ساسون في هذه الرسالة: "اجتمعت اليوم وفقاً لتعليماتك بـ م. ن. وتحدثت معه عن اقتراحه نشر مقالات في صحف بيروت ودمشق." وقدم م. ن. في هذا الاجتماع، بعد تلقيه توضيحات وتوجيهات من ساسون، اقتراحاً إلى الدائرة السياسية للوكالة اليهودية بأن ينشر كل ثلاثة أشهر، 75 مقالاً مؤيداً للصهيونية، وذلك في أربع صحف، ثلاث منها في بيروت وهي "النهار" و"الأحوال" و"الحديث"، وواحدة في دمشق هي "الاستقلال". وطلب م. ن. في اقتراحه أن يتقاضى جنيهين فلسطينيين في مقابل كتابة كل مقال ونشره، وكذلك الحصول على مبلغ 12 جنيهاً فلسطينياً مع انقضاء دورة كل ثلاثة أشهر. وتضمن اقتراحه أيضاً نشر هذه المقالات باسم هيئات تحرير الصحف المذكورة، أو باسم صحافيين معروفين، وأن تعالج موضوعات سياسية واقتصادية واجتماعية، تحددها له أسبوعياً الدائرة السياسية للوكالة اليهودية.(50)  ويضيف ساسون أنه وعد م. ن. بأن يعطيه جواباً من شرتوك في خلال أيام قليلة، وقبل أن يغادر م. ن. القدس. ويظهر من التقارير الأُخرى(51)  أن م. ن. باشر العمل وفق الصيغة التي اتفق بشأنها مع ساسون، لكن بوتيرة نشر أقل.
شراء الصحف
يكشف ساسون في تقرير له أن "القسم العربي" في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية اشترى لفترة قصيرة صحفاً عربية في سنة 1938، إذ يذكر أنه "علاوة على عملية نشر مقالات في الصحف العربية، قام القسم العربي بعملية أُخرى، تفوق في أهميتها نشر المقالات، وهي شراء صحف عربية في سورية ولبنان. لقد نجحنا في صيف سنة 1938 في شراء ما يتراوح بين ثلاث وخمس صحف في بيروت، واثنتين في دمشق، وكان في إمكاننا شراء عدد آخر من الصحف، لكن لم يكن لدينا الميزانية المطلوبة لذلك، كما أننا اضطررنا، وللسبب نفسه، إلى وقف العلاقة، بعد وقت قصير، بالصحف التي كنا اشتريناها."(52)  ويستعرض ساسون مهمة الصحف التي اشترتها الوكالة اليهودية، فيقول في تقريره: "كانت وظيفة الصحف التي اشتريناها نشر المقالات والأخبار التي زودناها بها، والامتناع من نشر مواد الطرف الآخر المعادية للصهيونية ومواد الدعاية الأجنبية، والتقريب بين وجهات النظر العربية واليهودية، وإدانة الإرهاب العربي في فلسطين، واتخاذ موقف مؤيد لليهود في كل ظاهرة سياسية. وقد أيدت هذه الصحف حرب اليهود ضد الكتاب الأبيض، وهاجمت في الأساس قانون الأراضي."(53)  ولاحظ ساسون في تقريره أن المقالات المدسوسة والصحف التي اشترتها الوكالة اليهودية في تلك المرحلة المهمة من التاريخ الفلسطيني، أدت دوراً مهماً في التأثير في الساحة الفلسطينية، إذ يقول في تقريره: "من المهم الإشارة إلى أن المقالات ضد الإرهاب العربي، وضد المؤامرات والتطلعات الفردية للمفتي ورجاله، والتي نشرت في الصحف التي اشتريناها، وفي الصحف الأُخرى، أعطت حزب النشاشيبي، وبصورة غير مباشرة، دفعة للخروج في حرب مكشوفة ضد اللجنة العربية العليا وقيادة الإرهاب."(54)
علاوة على شراء الصحف والمقالات المدسوسة، أصدر "القسم العربي" في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، منذ بداية سنة 1938، نشرة "أخبار يهودية" كانت تصدر خمس مرات في الأسبوع، وكان يطبع منها 300 عدد ترسل إلى الصحف المهمة والوزارات والقيادات السياسية في سورية ولبنان والبلاد العربية الأُخرى.(55)  كما أصدر "القسم العربي" في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية كتيّبين في بيروت في صيف سنة 1938، وبأسماء عربية مستعارة، تناولا "البَرَكة الاقتصادية" التي جلبها اليهود إلى فلسطين، وكذلك المقاطعة العربية للمنتوجات اليهودية في فلسطين. ونشر "القسم العربي"، عدة مرات في هذه الفترة أيضاً، وباللغة العربية وتحت أسماء عربية مستعارة، آلاف المناشير "ضد الإرهاب العربي في فلسطين"، وقد جرى توزيعها مرات عديدة في سورية ولبنان وعواصم عربية أُخرى.(56)
الخلاصة
عالجت هذه الدراسة موضوعاً مهماً لم يتم التطرق إليه من قبل، كما تناولت موضوعات المقالات المدسوسة التي سعت لتحقيق الأهداف السياسية للحركة الصهيونية في إبان الثورة الفلسطينية الكبرى. إن نجاح ناشطي جهاز الدائرة السياسية للوكالة اليهودية في اختراق الصحافة اللبنانية والسورية، في تلك الفترة، وبهذه السهولة، وشراءهم خمس صحف منها، ونشرهم ما لا يقل عن 280 مقالاً مدسوساً(57)  في الصحف اللبنانية والسورية الأكثر انتشاراً، لم تكن نتيجة تمتعهم بمهارات خارقة، أو امتلاكهم أموالاً طائلة، وإنما كان سببها ضعف المجتمع العربي، وهشاشة نخبه وفساد بعضها، واحتدام الصراعات بينها على أسس عشائرية وطائفية وجهوية. ومن اللافت للانتباه أن أولئك الذين مكنوا الوكالة اليهودية من اختراق الصحافة اللبنانية والسورية، بهذه السهولة، هم أنفسهم الذين كانوا يتحدثون، وباحتجاج، عن نفوذ وسطوة اليهود والصهيونية على الصحافة في الدول الغربية.<


(*)   دائرة العلوم السياسية – جامعة القدس.
المصادر
(1)   Col. F. H. Kisch, Letter to the Chairman of the Political Commission, XVIIth Zionist Congress to the Chairman of the Political Commission, 2nd Assembly of the Council of the Jewish Agency for Palestine, accompanied by a report on the work of the Joint Bureau for Arab Relations, 1931, p. 28.
(2)   "تقرير حاييم كالفارسكي بتاريخ 12/1/1930"، ملف 3562/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(3)   المصدر نفسه. (4)              المصدر نفسه.
(5)   Kisch, op. cit.
(6)   إلياكيم روبنشتاين "هطيبول بشئيلاه هاعرفيت بشنوت هعسريم فهشلوشيم: هيبطيم موسدييم" ("معالجة المسألة العربية في العشرينيات والثلاثينيات: نظرة مؤسساتية")، "هتسيونوت"، الجزء الثاني عشر، 1987.
(7)   المصدر نفسه.
(8)   أدى رؤوفين شيلواح دوراً مهماً في تأسيس وبلورة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وقد ترأس جهاز الموساد بعيد إقامة إسرائيل. للمزيد، أنظر: حغاي إيشد، "موساد شل إيش أحاد: رؤوفين شيلواح أفي هموديعين هيسرائيلي" ("الموساد لرجل واحد: رؤوفين شيلواح أبو الاستخبارات الإسرائيلية") (القدس: عيدنيم، 1988).
(9)   إلياهو إيلات، "شيبات – تسيون فعراف" ("عودة صهيون والعرب") (تل أبيب: دفير، 1974)، ص 11.
(10) عبد الحفيظ محارب، "هاغاناه، إتسل، ليحي، العلاقات بين التنظيمات الصهيونية المسلحة 1987 – 1948" (بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1981)، ص 40.
(11) روبنشتاين، مصدر سبق ذكره. ولد إلياهو ساسون في دمشق في سنة 1902، وهاجر في سنة 1920 إلى فلسطين، وكان يكتب ويتحدث العربية بطلاقة.
(12) يوآب غيلبر، "شورشي هاحفتسيليت: هموديعين بييشوف، 1918 – 1948" ("جذور الزنبقة: الاستخبارات في الييشوف، 1918 – 1948") (تل أبيب: وزارة الدفاع، 1992)، ص 128.
(13) روبنشتاين، مصدر سبق ذكره.
(14) المصدر نفسه.
(15) رسالة فيلنسكي إلى إبشتاين بتاريخ 15/12/1934، ملف 3135/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(16) رسالة فيلنسكي إلى موشيه شرتوك بتاريخ 9/12/1934، ملف 3135/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(17) روبنشتاين، مصدر سبق ذكره.
(18) إلياهو ساسون، "بديرخ إيل هاشلوم" ("الطريق إلى السلام") (تل أبيب: عام عوفيد، 1978)، ص 48. ويخفي هذا الكتاب كثيراً من تقارير إلياهو ساسون ورسائله، كما حُذفت من التقارير المنشورة في هذا الكتاب، اتصالات إلياهو ساسون وعلاقاته بـ "زبائنه" ذوي الصلة الاستخباراتية.
(19) رسالة إلياهو إبشتاين إلى وديع تلحوق بتاريخ 24/1/1937، ملف 22229/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي" (بالعربية).
(20) ساسون، مصدر سبق ذكره، ص 78.
(21) المصدر نفسه، ص 80.
(22) المصدر نفسه، ص 80 – 81.
(23) المصدر نفسه، ص 82.
(24) نسخة هذا العدد عن صحيفة "الدستور"، والتي تحتوي المقال المدسوس المذكور، موجودة في ملف 22210/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(25) ساسون، مصدر سبق ذكره، ص 85.
(26) المصدر نفسه.
(27) تقرير إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من بيروت، بتاريخ 14/12/1937، ملف 22179/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(28) المصدر نفسه.
(29) تقرير إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من بيروت، بتاريخ 15/12/1937، ملف 22179/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(30) المصدر نفسه.
(31) تقرير إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من بيروت، بتاريخ 16/12/1937، ملف 22179/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(32) المصدر نفسه.
(33) رسالة إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من القدس، بتاريخ 22/12/1937، ملف 22179/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(34) المصدر نفسه.
(35) المصدر نفسه.
(36) المصدر نفسه.
(37) المصدر نفسه.
(38) رسالة إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من القدس، بتاريخ 29/12/1937، ملف 22179/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(39) المصدر نفسه.
(40) المصدر نفسه.
(41) تقرير إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من بيروت، بتاريخ 21/7/1938، ملف 4550/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(42) تقرير إلياهو ساسون بتاريخ 22/7/1938، ملف 4550/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(43) تقرير إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من بيروت، بتاريخ 30/8/1938، ملف 4550/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(44) تقرير إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من القدس، بتاريخ 7/9/1938، ملف 5568/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(45) المصدر نفسه.
(46) تقرير إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من بيروت، بتاريخ 2/10/1938، ملف 22211/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(47) المصدر نفسه.
(48) المصدر نفسه.
(49) المصدر نفسه.
(50) رسالة إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من القدس، بتاريخ 13/5/1938، ملف 5568/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(51) رسالة من دافيد لوزيه (من قادة الطائفة اليهودية في دمشق، وعميل جهاز الاستخبارات في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية) إلى إلياهو ساسون، من دمشق، بتاريخ 6/12/1938، ملف 22835/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(52) تقرير إلياهو ساسون إلى موشيه شرتوك، من القدس، بتاريخ 19/7/1938، ملف 22210/25S، "الأرشيف الصهيوني المركزي".
(53) المصدر نفسه.
(54) المصدر نفسه.
(55) المصدر نفسه.
(56) المصدر نفسه.
(57) المصدر نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق